هجر إمغري
تستعد مدينة الحسيمة لاحتضان لحظة مسرحية جديدة، بعدما اختار نادي الحسيمة للمسرح أن يجعل من مدينته نقطة انطلاق لعمله الجديد «أمر / Adaɛthiɣ»، الذي يلتقي فيه التعبير الأمازيغي مع أسئلة الإنسان اليومية، في عرض أول مقرر مساء الخميس 17 شتنبر 2026، على الساعة السابعة والنصف، بقاعة العروض بدار الثقافة الأمير مولاي الحسن.
ويأتي هذا الموعد ليمنح الجمهور المحلي فرصة الاقتراب من تجربة مسرحية تراهن على اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وفي الوقت نفسه تنفتح على قضايا إنسانية تتجاوز حدود المكان واللغة، من خلال حكاية تبدو في ظاهرها مرتبطة بحياة زوجين داخل منزل، لكنها سرعان ما تتحول إلى مساحة واسعة للتأمل في الذات والعلاقة مع الآخر والصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه أمام محيطه.
ويقدم نادي الحسيمة للمسرح هذا العمل ضمن مشروع إنتاج وترويج الأعمال المسرحية المستفيد من دعم وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة – برسم الدورة الأولى لسنة 2026، في خطوة تندرج ضمن المسار الذي اختارته الفرقة لمواصلة الاشتغال على المسرح الاحترافي، مع المحافظة على حضور اللغة الأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا في هويتها الفنية والإبداعية.
ويحمل العمل توقيع أحمد السبياع على مستوى التأليف، بينما تولى يوسف العرقوبي مهمة الإخراج والسينوغرافيا، في حين يجسد الشخصيتين الرئيسيتين كل من هدى أبعير ومحمد بنسعيد، ليضع الثنائي أمام علاقة إنسانية تتكشف تفاصيلها تدريجيا من خلال الحوار والحركة والصمت والتفاعل مع الفضاء المسرحي.
ويشارك في صناعة هذا العرض عدد من الأسماء الفنية والتقنية، إذ يتولى عبد الصمد الدحماني تنفيذ السينوغرافيا، فيما يشرف حدوش بوتزكنت على الإنارة، ويشارك عبد العزيز البقالي في إعداد وتنفيذ الموسيقى، بينما يتكلف رفعت بلوط بالتواصل وإدارة الإنتاج، ويتولى نبيل بلحاج المحافظة العامة، وهو ما يعكس طبيعة العمل الجماعية التي يتطلبها بناء العرض المسرحي من الفكرة الأولى إلى لحظة الوقوف أمام الجمهور.
وتأخذ المسرحية جمهورها إلى فضاء منزلي مغلق، حيث يعيش زوجان تفاصيل علاقة تبدو عادية في بدايتها، قبل أن تكشف الأيام والذكريات والمواقف الصغيرة عن توترات أعمق تختبئ خلف الحياة المشتركة. ومن خلال هذا الفضاء المحدود، يفتح العمل الباب أمام أسئلة تتعلق بالحب والعيش المشترك والصورة الذاتية والخوف من أحكام الآخرين، لتتحول تفاصيل تبدو بسيطة إلى عناصر كاشفة عن هشاشة العلاقة الإنسانية.
ثم يبرز المظهر الخارجي ونظرة الآخر كعنصرين أساسيين في بناء الحكاية، إذ لا يتوقف الصراع عند حدود ما يحدث داخل المنزل، بل يمتد إلى الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وكيف يتخيل نظرة المجتمع إليه. وبهذا المعنى، تصبح صورة الجسد والبحث عن القبول الاجتماعي جزءا من التوتر الدرامي، خصوصا عندما تتداخل الرغبة في الظهور بصورة معينة مع الإحساس الداخلي بالشك وعدم الثقة بالنفس.
ويعتمد العرض، في بنائه الجمالي، على المزج بين الواقعية والغروتيسك، مستفيدا من إمكانات الكوميديا السوداء التي تسمح بتحويل المواقف اليومية إلى لحظات ساخرة تحمل في داخلها قدرا من الألم والتوتر. ولا تأتي السخرية هنا باعتبارها غاية منفصلة، بل تتحول إلى وسيلة للاقتراب من موضوعات حساسة، وإظهار المفارقات التي يعيشها الإنسان عندما يحاول التوفيق بين صورته أمام الآخرين وحقيقته الداخلية.
كما يبني العمل عالمه الدرامي على مجموعة من الثنائيات المتقابلة التي تمنح الحكاية أبعادا رمزية متعددة، من بينها الأنا والآخر، الداخل والخارج، القبح والجمال، والماضي والحاضر. وتسمح هذه التقابلات بإنتاج مساحة مسرحية تتداخل فيها الحقيقة مع الوهم، والذاكرة مع اللحظة الراهنة، والضحك مع الإحساس بالاختناق، بما يجعل المتلقي شريكا في تفكيك ما يجري فوق الخشبة.
وتحضر السينوغرافيا بدورها باعتبارها عنصرا فاعلا في بناء المعنى، فلا يقتصر دورها على تحديد مكان الأحداث، وإنما تسهم في تشكيل الإحساس بالفضاء المغلق الذي تتحرك داخله الشخصيات. وتتكامل الإضاءة مع الموسيقى والحركة والأداء لتصنع إيقاعا بصريا وسمعيا يرافق التحولات التي تعرفها العلاقة بين الزوجين، ويمنح المشاهد مفاتيح إضافية لقراءة الأحداث.
ويختار نادي الحسيمة للمسرح تقديم «أمر / Adaɛthiɣ» باللغة الأمازيغية، وبالخصوص اللغة الريفية، وهو اختيار يمنح العرض ارتباطا مباشرا ببيئته الثقافية والاجتماعية، ويتيح للفريق استثمار الخصائص التعبيرية للغة في الحوار والسخرية والهزل وبناء المواقف الدرامية. كما يمنح هذا الخيار الجمهور المحلي إمكانية مشاهدة عمل مسرحي يتحدث بلغته ويستحضر جزءا من ذاكرته الثقافية، دون أن يغلق في الوقت نفسه الباب أمام الموضوعات الإنسانية المشتركة.
ومن جهة أخرى، يعكس تقديم المسرحية باللغة الريفية استمرار الحضور المتنامي للمسرح الأمازيغي داخل المشهد الثقافي، خصوصا عندما تتحول اللغة من مجرد وسيلة للتواصل إلى عنصر جمالي يشارك في صناعة الشخصية والإيقاع والمعنى. فاللغة في هذا العمل ليست خلفية للأحداث، وإنما تدخل في صميم التجربة المسرحية، وتمنح الشخصيات أصواتها الخاصة وطريقتها في التعبير عن الغضب والخوف والسخرية والرغبة في إثبات الذات.
ويأتي العرض الأول في الحسيمة باعتباره بداية لمسار أوسع لترويج العمل، إذ يستعد نادي الحسيمة للمسرح لمواصلة تقديم «أمر / Adaɛthiɣ» أمام جمهور مدن مغربية أخرى، من بينها إمزورن والحاجب وتازة، في إطار رغبة الفرقة في توسيع دائرة المشاهدة وعدم حصر التجربة في محيطها المحلي.
وتحمل هذه الجولة المرتقبة أهمية خاصة بالنسبة إلى عمل ينطلق من منطقة الريف ويقدم جزءا من تجربتها الثقافية واللغوية فوق الخشبة، إذ تتيح العروض خارج الحسيمة اختبار العمل أمام جماهير مختلفة، وفتح حوار أوسع حول المسرح الأمازيغي وإمكاناته الفنية وقدرته على تناول قضايا الإنسان اليومية بلغة قريبة من وجدان الجمهور.
ويواصل نادي الحسيمة للمسرح، من خلال هذا العمل، بناء تجربته على تقاطع عدة عناصر، تجمع بين اللغة الأمازيغية والاشتغال المسرحي المعاصر والموضوع الإنساني، مستفيدا من إمكانات الأداء والسينوغرافيا والموسيقى والإضاءة في صياغة عرض لا يكتفي برواية قصة زوجين، وإنما يحاول الاقتراب من الأسئلة التي تختبئ خلف العلاقات الإنسانية.
وبذلك، يبدو موعد 17 شتنبر بالحسيمة أكثر من مجرد تاريخ لعرض مسرحي جديد، فهو محطة تلتقي فيها الخشبة باللغة والذاكرة والأسئلة الاجتماعية، ويجد فيها الجمهور نفسه أمام حكاية يمكن أن تبدو قريبة من تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تكشف شيئا فشيئا عن صراعات أعمق تتعلق بالصورة والقبول والذات والآخر. ومن المنتظر أن يشكل «أمر / Adaɛthiɣ» بذلك إضافة جديدة إلى التجربة المسرحية التي يواصل نادي الحسيمة للمسرح تطويرها، مع الحفاظ على ارتباطها بالريف وانفتاحها في الوقت نفسه على المشهد المسرحي الوطني.







