إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

كندا تتجه نحو مظلة دفاعية أوروبية وتتقدم رسميًا للانضمام إلى قوة عسكرية تقودها بريطانيا

02:00 · 17/09/2026

نسرين الدهان

تقدمت كندا رسميًا بطلب للانضمام إلى «القوة الاستكشافية المشتركة»، وهي شراكة عسكرية متعددة الجنسيات تقودها بريطانيا وتضم عشر دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، في خطوة تعكس توجه أوتاوا إلى توسيع تحالفاتها الدفاعية وتقليص اعتمادها التقليدي على الولايات المتحدة.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن الحكومة قدمت طلب العضوية رسميًا، مشيرًا إلى أن بريطانيا أبدت دعمها لانضمام كندا إلى هذا الإطار العسكري، الذي يركز على سرعة التحرك والاستجابة للأزمات في شمال أوروبا ومنطقة البلطيق وشمال الأطلسي.

وتضم القوة حاليًا بريطانيا والدنمارك وإستونيا وفنلندا وأيسلندا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا والنرويج والسويد. وتتميز بقدرتها على تعبئة قوات بحرية وجوية وبرية بصورة سريعة، من دون الحاجة إلى المرور بالإجراءات المعقدة التي قد تستغرقها عمليات حلف شمال الأطلسي بمشاركة جميع أعضائه.

وجاء الإعلان عقب لقاء جمع كارني برئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام في شمال إنجلترا، حيث ناقش الجانبان توسيع التعاون العسكري والصناعي، بما يشمل تطوير المقاتلات المتقدمة وتعزيز التنسيق في الأمن البحري والجوي والدفاع عن المناطق الشمالية.

لماذا تريد كندا الانضمام؟

لا يتعلق الطلب الكندي بمجرد إضافة عضوية جديدة إلى تجمع عسكري أوروبي، بل يعكس تحولًا أوسع في السياسة الدفاعية لأوتاوا، التي بدأت تبحث عن شركاء جدد لتقليل اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة في التسليح والتكنولوجيا وحماية المجال القاري.

وعلى مدى عقود، بُنيت المنظومة الدفاعية الكندية على شراكة شديدة الارتباط بواشنطن، خصوصًا عبر حلف الناتو وقيادة دفاع الفضاء الجوي لأمريكا الشمالية «نوراد». غير أن التحولات السياسية والتجارية التي شهدتها العلاقات بين البلدين دفعت كندا إلى إعادة تقييم مخاطر الاعتماد المفرط على شريك واحد.

وتسعى حكومة كارني إلى إقامة شبكة دفاعية أكثر تنوعًا، تكون فيها أوروبا وبريطانيا شريكين أساسيين في تطوير الصناعات العسكرية وتبادل المعلومات والتدريب وتنفيذ العمليات المشتركة.

ولا يعني ذلك أن كندا تستعد للتخلي عن تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة، بحكم الارتباط الجغرافي والمؤسساتي العميق بين البلدين، لكنه يشير إلى رغبة واضحة في توسيع هامش القرار الكندي ومنح أوتاوا بدائل عسكرية وصناعية إضافية.

القطب الشمالي في صلب التحرك

يمنح الموقع الجغرافي لكندا طلب الانضمام أهمية استراتيجية خاصة. فمعظم الدول المشاركة في القوة الاستكشافية المشتركة تطل على بحر البلطيق أو شمال الأطلسي أو تقع بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية، وهي مناطق أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أكثر المساحات حساسية في التنافس بين روسيا والغرب.

وتملك كندا واحدًا من أكبر المجالات القطبية في العالم، لكنها تواجه تحديات متزايدة في مراقبة حدودها الشمالية الشاسعة وتأمين الممرات البحرية والمنشآت الاستراتيجية. ومع ذوبان الجليد وفتح طرق جديدة للملاحة، ارتفعت أهمية المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا، وازدادت معها المنافسة على الموارد والممرات البحرية.

ويمكن لانضمام كندا إلى القوة أن يعزز تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة التحركات البحرية والجوية، وتنظيم تدريبات مشتركة في الظروف القطبية، إلى جانب تحسين قدرة الدول الأعضاء على التحرك المنسق في حال وقوع أزمة في شمال الأطلسي أو منطقة البلطيق.

كما ستمنح العضوية القوة الاستكشافية امتدادًا جغرافيًا جديدًا عبر الأطلسي، وتضيف إليها القدرات والخبرة الكندية في العمليات داخل البيئات القطبية والمناطق شديدة البرودة.

قوة مرنة داخل المنظومة الأطلسية

تأسست القوة الاستكشافية المشتركة بقيادة بريطانيا لتوفير إطار عسكري مرن يستطيع التحرك بسرعة عند ظهور تهديد أمني، خصوصًا في المناطق التي تمثل أولوية للدول الأعضاء.

ولا تشكل القوة بديلًا عن حلف شمال الأطلسي، ولا تمتلك بندًا مستقلًا للدفاع الجماعي مماثلًا للمادة الخامسة من معاهدة الناتو، لكنها توفر للدول المشاركة وسيلة أسرع للتنسيق واتخاذ القرار وتنفيذ التدريبات أو نشر القوات.

وتسمح طبيعتها المرنة بمشاركة الدول وفق قدراتها السياسية والعسكرية، بدل اشتراط انخراط جميع الأعضاء في كل عملية. ولهذا ينظر إليها بوصفها حلقة وصل بين التعاون الثنائي والعمليات الأطلسية الواسعة.

وإذا قُبل الطلب الكندي، فستصبح أوتاوا العضو الحادي عشر، كما ستتحول القوة من إطار أوروبي شمالي إلى شراكة عسكرية عابرة للأطلسي، مع احتفاظ بريطانيا بدور القيادة.

تعاون يتجاوز نشر القوات

لا تقتصر التحركات الكندية على الانضمام إلى قوة للاستجابة السريعة، بل تشمل بناء شراكات صناعية وتكنولوجية طويلة الأمد مع بريطانيا وحلفائها.

وبحث كارني وبيرنام فرص التعاون في «برنامج القتال الجوي العالمي»، وهو مشروع تقوده بريطانيا وإيطاليا واليابان لتطوير جيل جديد من المقاتلات والأنظمة الجوية المتقدمة، يفترض أن يدخل الخدمة خلال العقد المقبل.

وانضمت كندا إلى البرنامج بصفة مراقب في يوليوز 2026، ما يتيح لها الاطلاع على تطوره ودراسة فرص مشاركة شركاتها في تصميم المقاتلة وأنظمة الاستشعار والذكاء الاصطناعي والأسلحة المرتبطة بها.

وتريد أوتاوا أن تضمن لشركاتها موقعًا داخل سلاسل توريد الصناعات الدفاعية الأوروبية، بدل الاكتفاء باستيراد التجهيزات العسكرية الجاهزة من الولايات المتحدة. كما تنظر إلى هذا التعاون باعتباره وسيلة لدعم الاقتصاد وتطوير التكنولوجيا وتوفير وظائف متخصصة داخل كندا.

تحول أوسع نحو أوروبا

يتزامن الطلب الكندي مع مسار سياسي واقتصادي أوسع لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. وتسعى حكومة كارني إلى بناء شراكة تجمع الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعادن الاستراتيجية، في إطار سياسة تقوم على تنويع العلاقات الخارجية وعدم ربط المصالح الكندية حصريًا بالسوق الأمريكية.

وتكتسب المعادن الحيوية أهمية خاصة في هذه العلاقة، بالنظر إلى امتلاك كندا احتياطيات مهمة تدخل في تصنيع البطاريات والصواريخ والطائرات والرقائق الإلكترونية، بينما تسعى الدول الأوروبية إلى تقليص اعتمادها على الصين والولايات المتحدة في المواد والتكنولوجيات الاستراتيجية.

ويكشف هذا التحرك عن اتجاه متزايد لدى القوى المتوسطة لبناء تحالفات أكثر مرونة، في ظل عالم تتصاعد فيه التوترات ويتراجع فيه اليقين بشأن استمرارية الالتزامات التقليدية للقوى الكبرى.

انضمام يحمل رسالة سياسية

رغم طابعه العسكري، يحمل الطلب الكندي رسالة سياسية واضحة إلى واشنطن وموسكو في آن واحد. فهو يؤكد أن كندا تعيد توزيع شراكاتها الدفاعية وتبحث عن مساحة أكبر من الاستقلال، وفي الوقت نفسه يعزز الجناح الشمالي للناتو ويربط الأمن الكندي مباشرة بأمن شمال أوروبا.

وسيظل قبول الطلب مرتبطًا بموافقة الدول العشر الأعضاء واستكمال الترتيبات السياسية والعسكرية اللازمة. غير أن الدعم البريطاني يمنح الخطوة زخمًا قويًا، بالنظر إلى أن لندن تقود القوة وتشرف على تطوير عملها.

وبانضمامها المحتمل، لن تكون كندا مجرد عضو إضافي، بل ستضيف إلى المجموعة وزنًا جغرافيًا وعسكريًا وصناعيًا مهمًا. كما قد تتحول القوة الاستكشافية المشتركة إلى أحد أبرز أطر التعاون الأمني بين أوروبا وأمريكا الشمالية خارج البنية التقليدية لحلف الناتو.