ياسر الرقاص
في خطوة دبلوماسية بارزة تعكس الدينامية المتجددة للعلاقات الإقليمية، اتفقت المملكة المغربية ودولة إسرائيل على إحداث نقلة نوعية في مستوى علاقاتهما الثنائية، عبر رفع مستوى تمثيليتهما الدبلوماسية المتبادلة من مكاتب اتصال إلى سفارات كاملة الصلاحيات.
جاء هذا القرار الاستراتيجي، الذي يتزامن مع الاتفاق على الاستئناف الفوري للرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، ليتوج سلسلة من المباحثات الثلاثية رفيعة المستوى التي استضافتها مدينة نيويورك الأمريكية، برعاية مباشرة من الإدارة في واشنطن، مما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المؤسسي والتكامل الاقتصادي.
وجاء هذا التحول التنفيذي العميق خلال لقاء دبلوماسي مكثف جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، السيد ناصر بوريطة، بنظيره الإسرائيلي جدعون سار. وقد تميز هذا اللقاء بحضور وازن للدبلوماسية الأمريكية، تمثل في مشاركة السفير والمندوب الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز.
وشهد الاجتماع، الذي اتسم بالبراغماتية والوضوح، التوافق التام على إطلاق مرحلة عمل إجرائية سريعة، تتوج بالانتقال الميداني والقانوني لمكاتب الاتصال الحالية في كل من الرباط وتل أبيب إلى مقرات سفارات دائمة تتمتع بكافة الصلاحيات الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً. هذه الخطوة لا تقتصر فقط على تغيير في التسميات، بل تعكس إرادة سياسية قوية لمأسسة العلاقات وتوسيع نطاق التنسيق السياسي والأمني بين العاصمتين.
وبالموازاة مع التطور الدبلوماسي، أخذ الشق الإنساني والاجتماعي حيزا مهما من المحادثات، حيث تم الاتفاق على جدولة استئناف الخطوط الجوية المباشرة بين المغرب وإسرائيل. ويعتبر هذا القرار استجابة لانتظارات فئات واسعة، ولا سيما الجالية اليهودية المغربية الكبيرة المقيمة في إسرائيل، فضلا عن السياح ورجال الأعمال.
ومن شأن إعادة تشغيل هذه الخطوط أن تعزز حركة تنقل الأشخاص، وتسهل التبادلات الثقافية، وتخلق جسرا جويا يسرع من وتيرة التواصل المباشر بين الفاعلين الاقتصاديين في كلا البلدين، مما ينعكس إيجاباً على قطاعي السياحة والخدمات.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، الذي يمثل قاطرة حقيقية لهذه العلاقات، أفضت المشاورات النيويوركية إلى رسم خريطة طريق متسارعة ودقيقة، تمهد لتوقيع اتفاقيتين اقتصاديتين استراتيجيتين رئيسيتين قبل انقضاء العام الجاري.
وتهدف هاتان الاتفاقيتان إلى فتح آفاق جديدة وغير مسبوقة للاستثمار المتبادل، وتطوير التعاون التجاري والصناعي بين القطاعين الخاص والعام، وتغطي هذه الشراكات المرتقبة قطاعات حيوية وذات أولوية، من أبرزها التكنولوجيا المتقدمة، تدبير الموارد المائية، الزراعة الذكية، والطاقات المتجددة، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي يعود بالنفع على الشعبين.
وفي سياق هذا الزخم، ثمن الجانبان المغربي والإسرائيلي عاليا الدور المحوري الذي اضطلعت به الدبلوماسية الأمريكية في تيسير هذه المباحثات وتقريب وجهات النظر.
واعتبرت الأطراف المشاركة أن الدعم الأمريكي شكل ضمانة أساسية لدفع عجلة التعاون نحو خطوات ملموسة وواقعية، تؤكد التزام واشنطن المستمر بدعم مسار السلام والتنمية في المنطقة، وتعزيز الشراكات التي تخدم الأمن والاستقرار الإقليميين.
في المحصلة، تأتي هذه التطورات المفصلية لتجسد تنزيلاً فعلياً ومتقدماً لمحطات الاتفاق الثلاثي التاريخي الموقع في ديسمبر 2020 بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا الإعلان، الذي يمثل المظلة المرجعية والسياسية لإعادة بناء العلاقات، لا يزال يثبت قدرته على توسيع نطاق الشراكات الإقليمية في مجالات حيوية كالتكنولوجيا، الطاقة، والبحث العلمي، وسط تطلعات مشتركة لترسيخ دعائم استقرار الشراكات في المنطقة، وتقديم نموذج للتعاون التنموي القادر على مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.







