هجر إمغري
حذر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو من مخاطر الانجرار إلى تصعيد مباشر مع روسيا، في وقت تتزايد فيه التوترات بين موسكو والعواصم الأوروبية على خلفية الحرب في أوكرانيا، وما يرافقها من اتهامات وتحقيقات مرتبطة بأعمال توصف بأنها تهديدات أو تحركات ذات طابع غير مباشر.
وأكد بارو، اليوم الخميس، أن فرنسا مطالبة بالتعامل بحذر مع ما تعتبره حربا متعددة الوسائل تستهدف التأثير في الموقف الأوروبي تجاه أوكرانيا، مشددا على ضرورة ألا يتحول الخوف من التصعيد إلى عامل يدفع الدول الأوروبية إلى التراجع عن دعم كييف. ويأتي هذا الموقف في سياق أوروبي شديد الحساسية، تتداخل فيه الحرب العسكرية في الأراضي الأوكرانية مع ملفات أمنية وسياسية أخرى تمس دولا أوروبية مختلفة.
وأوضح المسؤول الفرنسي أن بلاده لا ينبغي أن تسمح بتحويل المخاوف الأمنية إلى وسيلة للضغط على قرارها السياسي، معتبرا أن الهدف من بعض التحركات المنسوبة إلى موسكو قد يكون خلق حالة من التردد والخوف داخل المجتمعات الأوروبية. وشدد، في المقابل، على أن باريس لا تخوض حربا مباشرة مع روسيا، وهو ما يجعل التعامل مع التطورات الجديدة محكوما، بحسب تصريحاته، بالحذر وتجنب الخطوات التي يمكن أن توسع دائرة المواجهة.
وتزامنت تصريحات وزير الخارجية الفرنسي مع استمرار التحقيقات في حادث خروج قطار عن مساره بمنطقة نورماندي شمال غربي فرنسا، وهو الحادث الذي خلف 44 مصابا. وكان القطار الإقليمي متجها من روان إلى كاين وعلى متنه 186 راكبا عندما خرج عن السكة قرب بلدة كليون، قبل أن تستنفر السلطات فرق الإنقاذ والطوارئ للتعامل مع تداعيات الحادث.
وأثار العثور على قطعة من السكك الحديدية فوق المسار تساؤلات بشأن ملابسات الحادث، ودفع المحققين إلى دراسة فرضية وقوع عمل تخريبي. غير أن السلطات الفرنسية لم تحسم حتى الآن السبب النهائي لخروج القطار عن مساره، ولا توجد نتيجة رسمية تثبت ارتباط الحادث بروسيا، وهو ما يجعل فرضية التورط الخارجي، في هذه المرحلة، جزءا من التساؤلات والتحقيقات وليس حقيقة محسومة.
وبينما تتواصل التحقيقات لكشف مصدر قطعة السكة الحديدية وكيف وصلت إلى المسار، شدد بارو على ضرورة عدم الانتقال بسرعة من الشكوك إلى الاتهامات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف يمكن أن تكون له انعكاسات سياسية وأمنية واسعة. ويعكس هذا الموقف حرص باريس على الفصل بين الوقائع التي تثبتها التحقيقات وبين التقديرات السياسية المرتبطة بالتوتر المتصاعد مع موسكو.
وأضاف الوزير الفرنسي أن بلاده ليست في حالة حرب مع روسيا، داعيا في الوقت نفسه إلى عدم السماح بتدحرج الأحداث نحو مواجهة أوسع. ويأتي هذا التصريح في ظل نقاش متزايد داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع روسيا، بين من يدعو إلى استمرار دعم أوكرانيا وتشديد الضغوط على موسكو، ومن يحذر من أن ارتفاع مستوى المواجهة قد يفتح الباب أمام تطورات يصعب التحكم في مسارها.
وفي هذا السياق، اتخذ النقاش داخل فرنسا بعدا سياسيا داخليا أيضا، بعدما انتقد بارو تصريحات مارين لوبن، زعيمة التجمع الوطني، التي دعت إلى تنظيم مؤتمر سلام كبير بهدف البحث عن تسوية دبلوماسية للحرب في أوكرانيا. واعتبر الوزير أن طرح مثل هذه المبادرة عبر وسائل الإعلام، من دون ترتيبات سياسية ودبلوماسية واضحة، لا يخدم بالضرورة إدارة الملف في المرحلة الحالية.
وتعكس هذه المواقف وجود اختلافات داخل الساحة السياسية الفرنسية بشأن طبيعة الدور الذي ينبغي أن تؤديه باريس في الحرب الأوكرانية. ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الفرنسية استمرار دعم كييف، تبرز أصوات سياسية تطالب بإعادة تقييم حجم المساندة المقدمة لأوكرانيا والبحث عن مسار تفاوضي أكثر مباشرة لإنهاء الحرب.
وتزداد حساسية هذا النقاش مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الفرنسية المقبلة، إذ تحاول القوى السياسية تقديم تصورات مختلفة بشأن السياسة الخارجية والأمن الأوروبي والعلاقة مع روسيا. وقد أعادت تصريحات لوبن بشأن عقد مؤتمر للسلام هذا الملف إلى الواجهة، في وقت تتواصل فيه الحرب وتبقى مسألة التسوية الدبلوماسية واحدة من أكثر الملفات تعقيدا أمام الحكومات الأوروبية.
وفي المقابل، يربط بارو بين دعم أوكرانيا والحفاظ على قدرة الدول الأوروبية على مقاومة الضغوط التي يمكن أن تمارس عليها من خلال وسائل مختلفة، من دون أن يعني ذلك، وفق موقفه، السعي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو. وتندرج هذه الرؤية ضمن خطاب أوروبي أوسع يتحدث عن مخاطر ما يسمى بالحرب الهجينة، التي قد تشمل، بحسب المسؤولين الأوروبيين، أدوات تتجاوز العمليات العسكرية التقليدية.
ويأتي ذلك في وقت سبق أن تحدث فيه بارو عن أفعال وصفها بأنها غير مسؤولة وتمس سيادة دول أوروبية، مؤكدا أن فرنسا ليست في حالة حرب مع روسيا. كما استخدمت باريس خلال الفترة الماضية تعبيرات مرتبطة بالتهديدات الهجينة في سياق الحديث عن أحداث أمنية مختلفة داخل أوروبا.
وتبقى حادثة القطار في نورماندي واحدة من الملفات التي تنتظر نتائج التحقيقات، خصوصا أن السلطات مطالبة بتحديد كيفية وصول قطعة السكك الحديدية إلى المسار وما إذا كان وجودها مرتبطا مباشرة بخروج القطار عن السكة. وقد باشرت الأجهزة المختصة إجراءاتها، فيما أكدت شركة السكك الحديدية الفرنسية تعاونها مع التحقيقات والعمل على استعادة حركة النقل بشكل آمن.
وبين الحادث والتحذيرات السياسية، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة دقيقة تجمع بين حماية أمنها الداخلي والحفاظ على دعمها لأوكرانيا، مع تجنب أي خطوة قد تدفع التوتر مع روسيا إلى مستوى أكثر خطورة. وفي ظل غياب نتائج نهائية بشأن حادث القطار، تظل الأسئلة مفتوحة حول أسبابه، بينما يؤكد الخطاب الرسمي الفرنسي أن التعامل مع مثل هذه التطورات يتطلب التحقق من الوقائع قبل بناء مواقف سياسية أو أمنية عليها.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب في أوكرانيا لم تعد محصورة في ساحات القتال، بل أصبحت حاضرة بقوة في النقاشات الأمنية والسياسية داخل العواصم الأوروبية. ومع استمرار الحرب وارتفاع مستوى التوتر بين روسيا والدول الغربية، تبدو باريس أمام اختبار مستمر يتمثل في الحفاظ على موقفها الداعم لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة تقول الحكومة الفرنسية إنها لا تريدها.







