إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

المغرب يتقدم في التعاون النووي ويعزز حضوره في إفريقيا

11:09 · 17/09/2026

هجر إمغري

أكد السفير، الممثل الدائم للمغرب لدى المنظمات الدولية بفيينا، عز الدين فرحان، أن المملكة تواصل اعتماد الحوار والتعاون والتنسيق متعدد الأطراف كخيار أساسي في مقاربتها للقضايا الدولية، خاصة تلك المرتبطة بالأمن والأمان النوويين، مؤكدا أن بناء الثقة بين الدول يظل مدخلا ضروريا لمواجهة التحديات المتزايدة وتعزيز التعاون على المستويات الاقليمية والدولية.

وأوضح فرحان أن المغرب ينهي، خلال هذه الفترة، ولاية امتدت لسنتين داخل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في وقت يستعد فيه لتولي مسؤولية جديدة على المستوى الافريقي، من خلال رئاسة الاتفاق الإقليمي الافريقي للتعاون في مجال البحث والتطوير والتدريب في العلوم والتكنولوجيا النووية، ابتداء من الخميس.

ويعكس هذا الانتقال، وفق المعطيات التي قدمها الدبلوماسي المغربي، استمرارية الحضور المغربي داخل المؤسسات المعنية بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية، إذ لم تقتصر مشاركة المملكة على الحضور المؤسساتي، بل ارتبطت بمبادرات دبلوماسية هدفت إلى تقريب وجهات النظر وتعزيز آليات التعاون بين الدول الاعضاء.

وتأتي هذه المسؤولية الجديدة بعد سلسلة من المهام التي اضطلع بها المغرب داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من بينها رئاسة الدورة الرابعة والستين للمؤتمر العام للوكالة، إلى جانب رئاسة مجموعة الـ77 والصين بفيينا سنة 2022، ثم العضوية في مجلس المحافظين خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، وهي الفترة التي شغل خلالها المغرب كذلك منصب نائب رئيس المجلس.

ويؤكد هذا المسار أن المشاركة المغربية في هياكل الوكالة اتخذت بعدا يتجاوز التمثيل الدبلوماسي التقليدي، بعدما ارتبطت بالمساهمة في النقاشات المتعلقة بمستقبل التعاون النووي، وتسهيل الحوار بين مختلف الاطراف، والدفاع عن مقاربة تقوم على التوازن بين احترام الالتزامات الدولية والحفاظ على المجال المتاح أمام الدبلوماسية لتسوية الملفات الحساسة.

وفي ما يرتبط بمنظومة الضمانات وعدم الانتشار النووي، شدد المغرب على أهمية الحفاظ على نزاهة آليات التحقق التي تضطلع بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التأكيد على ضرورة التعاون الكامل مع أمانتها واحترام الالتزامات التي يفرضها النظام الدولي لعدم الانتشار.

وفي السياق ذاته، عزز المغرب تنسيقه مع الدول العربية الاعضاء في مجلس المحافظين، خاصة المملكة العربية السعودية والاردن ومصر، في التعامل مع عدد من الملفات ذات الحساسية المرتفعة. وبرز هذا التنسيق عقب الهجوم الذي استهدف محطة براكة للطاقة النووية في دولة الامارات العربية المتحدة، حيث ساهمت المشاورات العربية في الدفع نحو عقد دورة استثنائية لمجلس المحافظين.

واستهدفت هذه الخطوة إعادة التأكيد على قاعدة أساسية في القانون والممارسة الدوليين، تتمثل في ضرورة حماية المنشآت النووية المخصصة للاستخدامات السلمية وعدم جعلها أهدافا للهجمات المسلحة، بالنظر إلى ما يمكن أن تترتب عن مثل هذه العمليات من مخاطر تتجاوز حدود الدولة المستهدفة وتمس السلامة الاقليمية والدولية.

وبالموازاة مع ذلك، تناول المغرب ملف الضمانات المرتبط بسوريا، حيث أفضت المشاورات التي شارك فيها الاعضاء العرب الاربعة داخل المجلس إلى مقاربة توافقية أخذت بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها الظروف المحيطة بالملف. وأسفرت هذه الجهود عن سحب القضية السورية من جدول أعمال المجلس، مع استمرار المسؤوليات التقنية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وانتقل النقاش كذلك إلى مساهمة المغرب في تطوير النظام الدولي المتعلق بالأمان والأمن النوويين، وهي مساهمة تمتد لسنوات طويلة. فقد اضطلعت المملكة سنة 2005 بدور في المفاوضات التي انتهت باعتماد الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي، قبل أن يعود المغرب بعد عقدين إلى الدفع نحو تعزيز حضور هذه الاتفاقية وتوسيع نطاق تنفيذها.

وفي هذا الإطار، نظم المغرب خلال الدورة التاسعة والستين للمؤتمر العام للوكالة لقاء جمع عددا من المؤسسات الدولية المعنية بالأمن النووي ومكافحة الارهاب والجريمة، بهدف إحياء الذكرى العشرين لاعتماد الاتفاقية الدولية لقمع أعمال الإرهاب النووي، إلى جانب اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية وتعديلاتها.

ويحضر البعد الاستباقي بقوة في هذه المقاربة، خصوصا مع تطور طبيعة المخاطر التي يمكن أن تهدد الأمن النووي، وهو ما يجعل التعاون الدولي وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الوطنية عناصر أساسية للتعامل مع التحديات الجديدة، سواء تعلق الامر بحماية المنشآت أو المواد النووية أو تطوير آليات الاستجابة للتهديدات المحتملة.

وعلى المستوى الوطني، اختار المغرب تعزيز مقاربة تقوم على الشفافية والانفتاح على آليات التقييم الدولية، من خلال إخضاع منظومته النووية والاشعاعية، بشكل طوعي، لعدد من عمليات استعراض النظراء التي تنظمها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

واستضافت المملكة في هذا السياق بعثات متخصصة تناولت مجالات مختلفة، من بينها الاستعداد والاستجابة لحالات الطوارئ، والبنية التحتية النووية، وتقييم أمان مفاعلات البحوث، إضافة إلى الرقابة التنظيمية. وتسمح هذه العمليات بتبادل الخبرات وتحديد مجالات التطوير وتعزيز المعايير الوطنية في مجال السلامة والامن.

وفي المقابل، لا ينظر المغرب إلى التكنولوجيا النووية باعتبارها مرتبطة حصرا بالجوانب التقنية والامنية، بل يربطها كذلك بإمكانية تحقيق فوائد مباشرة للسكان والاستجابة لعدد من التحديات التنموية، وفي مقدمتها أزمة المياه التي أصبحت من أبرز القضايا المطروحة على عدد من الدول، خصوصا في المناطق التي تواجه ضغوطا متزايدة على مواردها المائية.

ومن هذا المنطلق، طرح المغرب داخل مجموعة الـ77 والصين مبادرة مرتبطة باستخدام المفاعلات النووية الصغيرة والمتوسطة في إنتاج المياه الصالحة للشرب، في محاولة لفتح نقاش أوسع حول إمكانات توظيف التكنولوجيا النووية في خدمة الامن المائي ودعم الحلول المبتكرة لمواجهة ندرة المياه.

ويمتد الاهتمام المغربي كذلك إلى القارة الافريقية، التي تشكل إحدى أبرز ساحات التعاون التي تراهن عليها المملكة في مجال العلوم والتكنولوجيا النووية. وفي هذا السياق، احتضنت الرباط سنة 2024 أول اجتماع إقليمي افريقي خصص لمبادرة “زودياك” التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتي تركز على تعزيز قدرات الدول في الكشف عن الامراض الحيوانية المنشأ ورصدها ومكافحتها.

كما تواصل المؤسسات ومراكز التميز المغربية المساهمة في نقل الخبرات والمعارف إلى دول افريقية عدة، من خلال برامج التكوين والمنح والزيارات العلمية، حيث استفاد مهنيون من أكثر من 40 دولة افريقية عضوا في الوكالة من فرص للتدريب وتبادل التجارب في مجالات تشمل الطب النووي والسلامة والامن وتعزيز القدرات التنظيمية.

ويعكس هذا الحضور رغبة المغرب في جعل التعاون العلمي والتقني جزءا من علاقاته مع محيطه الافريقي، خصوصا أن نقل الخبرات وتكوين الكفاءات المحلية يمكن أن يساهم في بناء قدرات مستدامة داخل الدول المستفيدة، ويمنح التعاون الاقليمي بعدا عمليا يتجاوز اللقاءات الدبلوماسية والمواقف السياسية.

ومع اقتراب نهاية الولاية المغربية في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يبدو أن المملكة تستعد للانتقال إلى مرحلة جديدة من الحضور داخل منظومة التعاون النووي الدولي، من خلال الجمع بين العمل المؤسساتي داخل الوكالة، والانخراط في القضايا الافريقية، والدفع نحو الاستخدامات السلمية للتكنولوجيا النووية.

ويؤكد هذا التوجه أن انتهاء ولاية المغرب في مجلس المحافظين لا يعني نهاية حضوره في هذا المجال، بل يمثل محطة ضمن مسار أوسع يقوم على استمرار التعاون مع الوكالة، ودعم الامن والامان النوويين، وتطوير الاستخدامات السلمية للعلوم النووية، وتعزيز التعاون الافريقي، إلى جانب الدفاع عن تعددية أطراف أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات المشتركة وتقاسم فوائد التطور العلمي بشكل أكثر إنصافا بين الدول.