هجر إمغري
كشف اكتشاف أثري جديد بإقليم الخميسات عن جانب غير معروف بما يكفي من تاريخ المغرب القديم، بعدما أظهرت عمليات التنقيب وجود نظام دفاعي ضخم يتكون من خندق وسور ترابي يعود تاريخه إلى ما بين 3500 و4000 عام، قبل أن يعرف الموقع لاحقا تدخلا عمرانيا خلال العصور الوسطى، في معطيات تفتح الباب أمام إعادة قراءة مرحلة تاريخية ظلت لفترة طويلة تفتقر إلى الأدلة الأثرية الكافية.
وأبرزت المعطيات الميدانية أن هذه المنشآت الدفاعية أقيمت في موقع استراتيجي بوادي بهت، فوق مرتفع جبلي يشرف على مجرى مائي دائم، وهو اختيار يعكس على ما يبدو وعيا بأهمية الموقع من الناحية الجغرافية والدفاعية. فقد كان الخندق يشق جزءا من المرتفع، بينما امتد السور الترابي على الحافة الجنوبية، ليشكل منظومة متكاملة يصعب تفسير حجمها وطريقة بنائها باعتبارها مجرد منشأة عابرة أو مشروع محدود النطاق.
وأعاد هذا الاكتشاف الانتباه إلى وادي بهت باعتباره واحدا من المواقع الأثرية البارزة في غرب شمال إفريقيا، خصوصا بعد أن كشفت أبحاث سابقة عن امتداد أثري واسع تبلغ مساحته ما بين 9 و10 هكتارات، يعود إلى أواخر الألفية الرابعة وبداية الألفية الثالثة قبل الميلاد. وتشير البقايا المكتشفة إلى وجود مجتمع بشري مستقر مارس الزراعة وتربية الماشية، وطور أنشطة حرفية مرتبطة بإنتاج الأدوات الحجرية والفخار.
وتكشف هذه المعطيات في الوقت نفسه أن سكان المنطقة لم يكونوا يعيشون في تجمعات بسيطة ومنعزلة، بل امتلكوا أنماطا من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي سمحت لهم بتنفيذ مشاريع جماعية كبيرة. ويظهر ذلك بشكل أوضح من خلال حجم الخندق والسور الترابي، إذ يتطلب تشييد مثل هذه المنشآت تخطيطا مسبقا وتقسيما للعمل وقدرة على تعبئة عدد من الأشخاص لفترة زمنية ممتدة.
ويكتسي وجود هذه التحصينات أهمية خاصة بالنظر إلى الفترة التي تعود إليها، لأن العصر البرونزي في المغرب ما زال يحتاج إلى المزيد من البحث لفهم طبيعة المجتمعات التي عاشت خلاله، وكيف كانت تنظم علاقاتها الداخلية والخارجية، وكيف تعاملت مع محيطها الطبيعي والمجتمعات الأخرى في المنطقة.
وفي هذا السياق، تطرح المنشآت الدفاعية المكتشفة أسئلة جديدة حول طبيعة الحياة في وادي بهت خلال الألفية الثانية قبل الميلاد. فانتقال النشاط البشري من الجزء الشمالي المكشوف للموقع إلى شريط جنوبي ضيق وأكثر قابلية للدفاع قد يعكس تغيرا في طريقة تنظيم المجال، وربما ارتباطا بتحولات اجتماعية أو اقتصادية أو أمنية شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة.
كما يثير وجود التحصين احتمالات متعددة بشأن وظيفته الأصلية، إذ يمكن أن يكون الهدف منه حماية التجمع البشري، أو مراقبة طرق العبور والحركة في المنطقة، أو التحكم في الوصول إلى الموقع، أو إظهار سلطة الجماعة التي أنجزته. ولا تسمح المعطيات الحالية بحسم وظيفة واحدة بشكل نهائي، غير أن ضخامة المنشأة تؤكد أن تشييدها كان مرتبطا بقرار جماعي ومنظم.
وتزداد قيمة الموقع الأثري بالنظر إلى الأدلة التي عثر عليها داخل طبقاته، إذ أسفرت عمليات التنقيب عن أكثر من 1900 قطعة فخارية في مساحة لا تتجاوز 25 مترا مربعا، إلى جانب فؤوس حجرية مصقولة ظهرت داخل طبقات أثرية غير مضطربة. وتكتسب هذه الفؤوس أهمية خاصة لأنها عثر عليها في سياق تنقيب علمي منظم، وليس فقط على سطح الموقع كما حدث في اكتشافات سابقة.
وتساعد هذه المكتشفات على رسم صورة أكثر وضوحا للحياة اليومية للسكان الذين استقروا في المنطقة، بدءا من الأدوات التي استخدموها في أنشطتهم المختلفة، وصولا إلى طبيعة المواد التي كانوا ينتجونها ويستعملونها. كما يمكن للقطع الفخارية، من خلال دراستها ومقارنتها، أن تقدم مؤشرات حول العادات اليومية والتبادل والتواصل بين المجتمعات القديمة.
ولا تتوقف أهمية وادي بهت عند العصر البرونزي، فقد كشفت الأبحاث أيضا عن عودة النشاط البشري إلى المنطقة بعد مرور قرون طويلة، حيث جرى تدعيم السور الترابي القديم بجدار حجري خلال العصور الوسطى. كما ظهرت آثار قرية أو مزرعة صغيرة على تل مجاور، إلى جانب مقبرة لم تكن معروفة من قبل.
وأظهرت عمليات التنقيب أن أحد المدافن المكتشفة يعود، وفق التأريخ بالكربون المشع، إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وهو ما يمنح الموقع بعدا تاريخيا إضافيا يتجاوز مرحلة ما قبل التاريخ والعصر البرونزي. وتوفر هذه المعطيات فرصة نادرة لدراسة جوانب من الحياة القروية في المغرب خلال العصور الوسطى، وهي فترة ما تزال الأدلة المادية المتعلقة بمجتمعاتها الريفية محدودة مقارنة بفترات أخرى.
ويؤكد هذا التسلسل الزمني أن الموقع لم يكن مجرد محطة استيطان قصيرة العمر، بل عرف مراحل مختلفة من الحضور البشري، تغيرت خلالها وظائف المكان وطبيعة المنشآت المقامة فيه. ومن ثم، فإن دراسة وادي بهت لا تقتصر على اكتشاف بناء قديم، وإنما تسمح بتتبع تحولات طويلة في علاقة الإنسان بالمجال، من الاستقرار الزراعي إلى بناء التحصينات، ثم العودة إلى استغلال الموقع في فترات تاريخية لاحقة.
وتعيد هذه النتائج أيضا طرح صورة مختلفة عن تاريخ غرب شمال إفريقيا، بعدما أظهرت أن المجتمعات القديمة في المنطقة كانت قادرة على إنجاز أعمال هندسية واسعة وتنظيم مشاريع جماعية قبل آلاف السنين. فوجود خندق وسور ترابي بهذا الحجم يعني أن سكان الموقع امتلكوا معرفة عملية بطبيعة الأرض، وقدرة على التخطيط واستغلال التضاريس لخدمة أهدافهم.
وبذلك، يواصل وادي بهت تقديم أدلة جديدة على أن صفحات مهمة من تاريخ المغرب القديم ما تزال مخفية تحت الأرض، تنتظر من يكشفها ويفسرها. فكل طبقة أثرية جديدة لا تضيف قطعة منفردة إلى المتحف فقط، بل قد تغير فهم مرحلة تاريخية كاملة وتدفع الباحثين إلى إعادة النظر في تصورات سابقة حول تطور المجتمعات القديمة في المنطقة.
ومن جهة أخرى، يبرز الاكتشاف أهمية استمرار التنقيب العلمي في المواقع الأثرية المغربية، خصوصا تلك التي أثبتت قدرتها على تقديم معطيات تمتد زمنيا عبر آلاف السنين. فالمكتشفات الجديدة بوادي بهت توضح أن المجال المغربي كان مسرحا لتفاعلات بشرية معقدة، وأن تاريخ المنطقة لا يمكن اختزاله في الفترات التي تتوفر عنها مصادر مكتوبة.
وفي انتظار استكمال الأبحاث للكشف عن الامتداد الكامل للمقبرة ودراسة مختلف أجزاء التحصين والمناطق المحيطة به، يظل وادي بهت واحدا من المواقع التي تعيد تشكيل صورة الماضي المغربي تدريجيا. وبين خندق شق في الجبل، وسور ترابي شيد قبل آلاف السنين، وبقايا فخار وأدوات حجرية ومدافن تعود إلى فترات مختلفة، تتشكل قصة إنسان عاش واستقر وبنى ونظم مجاله، تاركا تحت تراب الخميسات شواهد تواصل اليوم كشف تفاصيلها للأجيال الجديدة.







