كوثر بوجوال
كشفت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها عن استمرار تحديات تعيق فعالية مكافحة الفساد في المغرب، رغم الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية، مؤكدة أن النتائج المحققة لا تزال دون مستوى الأهداف المعلنة.
وجاء ذلك في التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، الذي قدم رئيسها محمد بنعليلو أبرز مضامينه، الجمعة 16 أكتوبر 2026، خلال لقاء صحافي بالعاصمة الرباط.
وسجل التقرير، الذي تضمن تسعة محاور، أن وضعية النزاهة عرفت تحسنا محدودا خلال السنة الماضية، دون أن تتمكن من تجاوز التراجعات المتراكمة، مشيرا إلى استمرار الفجوة بين الإصلاحات المعتمدة ونتائج تطبيقها على أرض الواقع.
واعتبرت الهيئة أن ضعف التنسيق بين المتدخلين وعدم الانسجام الكافي بين السياسات والبرامج يشكلان من أبرز التحديات، إلى جانب محدودية الأهداف القابلة للقياس وآليات التتبع والتقييم.
كما نبهت إلى استمرار اختلالات مرتبطة بالشفافية المالية وتنازع المصالح والمساءلة، داعية إلى تعزيز أخلاقيات التدبير الإداري والسياسي وربط المسؤولية بالنتائج.
اقرأ أيضا: هيئة النزاهة تعيد ترتيب منظومة صفقاتها بعد جدل “تنازع المصالح” في مشروع خريطة الفساد بقطاع الصحة
مكافحة الفساد في المغرب تصطدم بتعثر الإصلاحات وضعف التنسيق
أظهرت حصيلة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة وتعزيز النزاهة تفاوتا في تنفيذ المشاريع المبرمجة، إذ لم تتجاوز نسبة الإنجاز الكامل للمشاريع التشريعية 44 في المائة، مقابل 57 في المائة بالنسبة إلى المشاريع الإجرائية والتقنية.
وأكدت الهيئة أن تأخر الإصلاحات التشريعية أثر في استكمال المنظومة القانونية والمؤسساتية الضرورية للوقاية من الفساد والكشف عنه ومساءلة المتورطين فيه.
وكشف التقرير أن اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي أُحدثت سنة 2017 ويرأسها رئيس الحكومة، لم تعقد سوى اجتماعين منذ تأسيسها، رغم أن الإطار المنظم لعملها كان ينص على اجتماعين سنويا.
وعلى مستوى مؤشر مدركات الفساد، انتقل رصيد المغرب من 37 نقطة سنة 2016 إلى 43 نقطة سنة 2018، قبل أن يتراجع إلى 37 نقطة سنة 2024، ثم يتحسن بنقطتين خلال سنة 2025، ليبلغ 39 نقطة.
واعتبرت الهيئة أن هذا التحسن لا يرقى إلى التحول المنشود، خصوصا أن الاستراتيجية كانت تستهدف تحقيق تقدم قدره 23 نقطة.
ودعت إلى اعتماد استراتيجية جديدة ترتب الأولويات وفق مخاطر الفساد، وتحدد أهدافا واضحة قابلة للتقييم، مع تقليص أفقها الزمني من عشر سنوات إلى خمس سنوات أو أقل.
كما شددت على ضرورة استكمال الإطار القانوني، ولا سيما تجريم الإثراء غير المشروع، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، وإقرار تشريع متكامل لتنظيم حالات تنازع المصالح.
اقرأ أيضا: هيئة النزاهة تلغي طلب عروض خريطة مخاطر الفساد في قطاع الصحة
ارتفاع الشكايات إلى 420 ملفا ودعوات لتعزيز المساءلة
سجل التقرير ارتفاع عدد الشكايات والتبليغات التي توصلت بها الهيئة من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا خلال سنة 2025.
غير أن الهيئة صرحت بعدم الاختصاص بشأن 218 ملفا، وبعدم القبول في 84 ملفا، ما يعكس وجود تفاوت بين انتظارات بعض المشتكين والصلاحيات القانونية المخولة لها.
وفي الجانب القضائي، أبرز التقرير استمرار جهود رئاسة النيابة العامة في تتبع جرائم الرشوة والفساد المالي وغسل الأموال، مع التأكيد على ضرورة تعزيز البحث المالي لتتبع العائدات غير المشروعة.
ودعت الهيئة إلى إحداث مؤسسة عمومية متخصصة في تدبير واسترداد الأموال والممتلكات المحجوزة أو المصادرة، بما يسمح بحماية قيمتها وتوجيه الموارد المستردة لفائدة المجتمع وفق القانون.
كما اقترحت مراجعة الإطار التنظيمي للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، وتوضيح مسؤوليات المتدخلين وإحداث لجان دائمة متخصصة، بهدف ضمان استمرارية التنسيق وتتبع تنفيذ الإصلاحات.
وأكدت الهيئة أن نجاح السياسات العمومية في هذا المجال لا يقاس بعدد القوانين والمؤسسات المحدثة وحده، وإنما بمدى انعكاسها على شفافية القرارات، وحماية الحقوق، وثقة المواطنين والمستثمرين في الإدارة.
وخلص التقرير إلى أن تطوير مكافحة الفساد في المغرب يتطلب الانتقال من التركيز على الإصلاحات الشكلية إلى تحقيق نتائج ملموسة، من خلال تحسين التنسيق، وتعزيز آليات الوقاية والكشف والمساءلة، وتوظيف المعلومات المتاحة في اتخاذ قرارات أكثر فعالية.








