مجتمع

هيئة النزاهة تدق ناقوس الخطر.. تعثر الإصلاحات يعرقل مكافحة الفساد في المغرب

15:26 · 16/10/2026

رحاب الغرباوي

زوروا قناتنا على يوتيوب

كشفت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها عن استمرار الفجوة بين الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المعتمدة في المغرب والنتائج المحققة على أرض الواقع، معتبرة أن محدودية التنسيق بين المتدخلين، وتعثر عدد من المشاريع التشريعية، وضعف آليات التتبع والتقييم، عوامل تحول دون تحقيق تحول ملموس في مجال النزاهة ومكافحة الفساد.

وجاءت هذه الخلاصات ضمن التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، الذي قدم رئيسها محمد بنعليلو مضامينه، اليوم الجمعة بالرباط، مسلطا الضوء على حصيلة السياسات المعتمدة، ومستوى تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة، إلى جانب الاختلالات التي ما تزال تحد من فعاليتها.

ورغم التطور الذي عرفته المنظومة القانونية والتنظيمية والرقابية خلال السنوات الأخيرة، فإن التقرير سجل أن انعكاس هذه المكتسبات على الممارسة الإدارية، وشفافية القرارات العمومية، وحماية الحقوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يزال دون المستوى المطلوب. كما اعتبر أن التحسن المحدود المسجل في بعض المؤشرات لا يشكل دليلا على حدوث تغيير نوعي ومستدام في وضعية النزاهة بالمملكة.

وأبرزت الهيئة أن جوهر الإشكال لا يرتبط فقط بوجود القوانين والبرامج، بل بمدى تنفيذها وقدرتها على معالجة الاختلالات المتكررة. فبينما يجري تطوير آليات تنظيم النشاط الاقتصادي وتحسين الخدمات، تستمر صعوبات تواجه المقاولات في الممارسة العملية، بالتوازي مع تحديات مرتبطة بالشفافية المالية والامتثال للقواعد التنظيمية وفعالية الرقابة.

وسجل التقرير كذلك وجود ثغرات في تدبير بعض دوائر اتخاذ القرار والتنفيذ، ما يستدعي تقوية أخلاقيات العمل الإداري والسياسي، وإرساء قواعد أكثر وضوحا لتدبير تنازع المصالح، وضمان شفافية القرارات، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالنتائج المحققة.

وفي تقييمها للسياسات العمومية الموجهة لمحاربة الفساد، اعتبرت الهيئة أن ضعف الأهداف القابلة للقياس وعدم انتظام تقارير التتبع يحدان من القدرة على تحديد مستوى تقدم الإصلاحات، والوقوف على المشاريع المتعثرة، وتعيين الجهات المسؤولة عن معالجة التأخر. وشددت على أن أي استراتيجية لا تستند إلى مؤشرات دقيقة وآليات منتظمة للتقييم تظل محدودة القدرة على إحداث التغيير المنشود.

اقرأ أيضا: هيئة النزاهة تعيد ترتيب منظومة صفقاتها بعد جدل “تنازع المصالح” في مشروع خريطة الفساد بقطاع الصحة

وتظهر معطيات التقرير أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الرشوة وتعزيز النزاهة ساهمت في إطلاق إصلاحات تشريعية وتنظيمية وإجرائية، غير أن حصيلتها لم تحقق الأثر المنتظر على المؤشرات المرجعية. فقد بلغت نسبة المشاريع التشريعية المنجزة بالكامل 44 في المائة، مقابل 57 في المائة بالنسبة إلى المشاريع الإجرائية والتقنية، وهو تفاوت اعتبرته الهيئة مؤشرا على تعثر جزء أساسي من الإصلاحات التي كان يفترض أن تستكمل الإطار القانوني والمؤسساتي للوقاية من الفساد وكشفه ومساءلة المتورطين فيه.

وعلى مستوى مؤشر مدركات الفساد، استعرض التقرير مسارا متقلبا للنتائج المغربية، إذ ارتفع رصيد المملكة من 37 نقطة سنة 2016 إلى 43 نقطة سنة 2018، قبل أن يدخل مرحلة تراجع انطلاقا من سنة 2019، ليستقر عند 37 نقطة سنة 2024، ثم يسجل تحسنا بنقطتين خلال سنة 2025. ومع ذلك، بقي الأداء بعيدا عن الهدف الاستراتيجي الذي كان يرمي إلى تحقيق تقدم قدره 23 نقطة، ما يعزز الحاجة إلى مراجعة أدوات التنفيذ وتوجيه الإصلاحات نحو نتائج أكثر استدامة.

ومن بين المؤشرات التي أثارها التقرير محدودية انتظام آليات الإشراف على الاستراتيجية الوطنية، إذ لم تعقد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، التي أحدثت سنة 2017 ويرأسها رئيس الحكومة، سوى اجتماعين منذ تأسيسها، رغم أن البرنامج المحدد لها كان ينص على عقد اجتماعين سنويا. وترى الهيئة أن هذا الوضع يضعف استمرارية التنسيق بين المؤسسات المعنية، ويقلص فرص التدخل المبكر لمعالجة العقبات التي تعترض تنفيذ البرامج.

وفي هذا السياق، دعت إلى الانتقال نحو استراتيجية ترتب التدخلات وفق حجم المخاطر، وتعطي الأولوية للإصلاحات المهيكلة، وتربط كل مشروع بأهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس، مع تعزيز التكامل بين الوقاية من الفساد والكشف عنه وترتيب المسؤوليات القانونية بشأنه.

كما شددت على أهمية استكمال الترسانة القانونية المنظمة للنزاهة، من خلال معالجة الملفات التشريعية المرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة والأمن القانوني، إلى جانب وضع إطار متكامل لتنازع المصالح يحدد حالات تداخل المصالح الخاصة مع المسؤوليات العمومية، وقواعد التصريح والإفصاح، وآليات المراقبة والمعالجة، والعقوبات المترتبة عن المخالفات.

واقترحت الهيئة مراجعة المرسوم المنظم للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، بما يسمح بتوضيح اختصاصات مختلف المتدخلين وتعزيز القيادة والتنسيق، مع إحداث لجان دائمة متخصصة تتولى مواكبة المحاور الرئيسية للاستراتيجية. كما أوصت بتقليص مدتها الزمنية من عشر سنوات إلى خمس سنوات، أو أقل عند الضرورة، وربطها بمدة الانتداب الحكومي، بما يتيح تقييما أوضح للأداء وتحديدا أدق للمسؤوليات السياسية والمؤسساتية.

وعلى مستوى معالجة جرائم الرشوة والفساد المالي، أشار التقرير إلى استمرار تدخل المؤسسات القضائية في رصد هذه الأفعال وتحريك المساطر بشأنها. وتظهر المعطيات المرتبطة بالتبليغات عن الرشوة، وعمل أقسام الجرائم المالية، وقضايا غسل الأموال، وجود قدرة مؤسساتية على تحويل جزء من الوقائع المكتشفة إلى ملفات قضائية.

غير أن الهيئة لفتت إلى وجود تفاوت بين حجم الجرائم الأصلية التي يمكن أن تدر عائدات غير مشروعة وعدد قضايا غسل الأموال المعروضة على القضاء، مؤكدة أن المعطيات المتاحة لا تسمح بتحديد أسباب هذا التفاوت بصورة حاسمة. ودعت، بناء على ذلك، إلى تعميق البحث والتقييم وتقوية المقاربة المالية في التحريات، بما يساعد على تتبع الأموال المرتبطة بالأنشطة الإجرامية والكشف عن مساراتها.

وفي ما يتعلق بالشكايات والتبليغات الواردة عليها، سجلت الهيئة ارتفاع عدد الملفات من 92 ملفا سنة 2024 إلى 420 ملفا سنة 2025. لكن هذا التطور رافقته صعوبات مرتبطة بحدود الاختصاص، بعدما تقرر التصريح بعدم الاختصاص في 218 ملفا، وعدم قبول 84 ملفا آخر، وهو ما يكشف عن وجود فجوة بين انتظارات بعض المواطنين وطبيعة المهام المخولة للمؤسسة.

واعتبرت الهيئة أن تعزيز فعالية محاربة الفساد يقتضي عدم الاقتصار على متابعة المتورطين قضائيا، بل توسيع الجهود لتشمل الأموال المتحصلة من الأنشطة غير المشروعة، عبر حجزها والمحافظة على قيمتها ومصادرتها واستردادها وفق القانون. وفي هذا الإطار، دعت إلى إحداث مؤسسة عمومية متخصصة في تدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة، بما يتيح تحسين إدارة هذه الأموال وتعزيز مردوديتها لفائدة المجتمع، بما في ذلك إمكانية توجيه المستردات إلى مشاريع تنموية.

وأكد التقرير أن معالجة الفساد تتطلب أيضا تحصين المجتمع من التطبيع مع ممارساته، عبر ترسيخ ثقافة النزاهة ورفض الرشوة وتعزيز الثقة في المؤسسات. ورغم ما راكمه المغرب من إصلاحات دستورية وقانونية ورقابية وتوسع في استخدام الرقمنة خلال العقدين الماضيين، فإن التحدي الأساسي، بحسب الهيئة، يتمثل في تحويل هذه المكتسبات إلى تغييرات ملموسة في سلوك الفاعلين، وتحسين ثقة المواطنين والمستثمرين في الإدارة العمومية، وضمان تكافؤ الفرص والحد من التجاوزات.

وخلصت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها إلى أن مواجهة الفساد تستدعي تطوير آليات استباق المخاطر وتحليل المعطيات وربط المعلومات المتاحة بعضها ببعض، حتى تتحول نتائج الرقابة والتحقيقات إلى قرارات وإجراءات وقائية أكثر فعالية. كما أكدت أن نجاح الإصلاح لن يقاس بعدد القوانين والمبادرات المعلنة، بقدر ما سيقاس بقدرتها على سد فجوة التنفيذ، وتحقيق المساءلة، وإحداث أثر فعلي في الحياة اليومية للمواطنين والمقاولات.

زوروا قناتنا على يوتيوب