إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

المعهد الوطني للبحث الزراعي يعيد رسم دور المرأة القروية

19:30 · 17/09/2026

هجر إمغري

يدفع المعهد الوطني للبحث الزراعي نحو تغيير أوسع في طريقة التعامل مع قضايا النساء داخل العالم القروي، عبر التأكيد على أن المزارعات لا ينبغي أن يبقين مجرد مستفيدات من نتائج البحث العلمي، بل فاعلات أساسيات في تحديد احتياجات القطاع الزراعي وصياغة الحلول والابتكارات التي تستجيب لواقعهن اليومي.

ويأتي هذا التوجه في سياق الندوة الدولية التي تحتضنها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببن جرير، خلال الفترة الممتدة من 15 إلى 17 شتنبر الجاري، بمناسبة السنة الدولية للنساء المزارعات، حيث شكل حضور المرأة في التحولات التي يعرفها القطاع الزراعي أحد أبرز محاور النقاش، خصوصا في ما يرتبط بدور العلم والبيانات والابتكار في دعم النساء العاملات في المجال الفلاحي.

وأبرزت النقاشات المرتبطة بهذا الموضوع أن تطوير الزراعة لا يمكن أن ينفصل عن فهم الأدوار التي تضطلع بها النساء داخل الأسر والمزارع وسلاسل الإنتاج، خصوصا أن مساهمتهن لا تظهر دائما بالشكل الكافي في الإحصائيات والمعطيات المتداولة حول القطاع. ولذلك يبرز توجه جديد يقوم على جعل حضور النساء أكثر وضوحا في البيانات، وربط البحث العلمي بشكل مباشر باحتياجاتهن وتحدياتهن اليومية.

وفي هذا الإطار، يراهن المعهد الوطني للبحث الزراعي على اعتماد مقاربة تجعل النساء شريكات في مختلف مراحل إنتاج المعرفة والابتكار، بدءا من تحديد الإشكالات والاحتياجات، وصولا إلى تصميم الحلول وتجريبها وتطويرها وتقييم نتائجها على أرض الواقع. ويعكس هذا الاختيار انتقالا من تصور يقوم على إنتاج حلول موجهة للنساء إلى تصور أكثر تشاركية يجعل المزارعة نفسها جزءا من عملية البحث.

كما يركز هذا التوجه على ضرورة تجاوز النظرة التي تختزل حضور المرأة في الأرقام، والعمل بدلا من ذلك على فهم طبيعة مساهمتها الفعلية في النشاط الزراعي، ومدى استفادتها من الموارد والتكنولوجيا، وحجم مشاركتها في سلاسل القيمة، إضافة إلى موقعها في اتخاذ القرارات المرتبطة بالإنتاج والتسويق وتدبير الموارد.

وفي المقابل، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة مع التحولات التي يشهدها القطاع الزراعي المغربي، خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بالمناخ وندرة المياه وتراجع الموارد الطبيعية، وهي عوامل تفرض البحث عن نماذج إنتاج أكثر قدرة على الصمود وأقل استنزافا للموارد، مع مراعاة التأثيرات المختلفة لهذه التحولات على النساء والرجال داخل الوسط القروي.

وتبرز الزراعة المحافظة على الموارد كأحد المجالات التي يمكن أن تفتح إمكانات جديدة أمام النساء المزارعات والشباب القروي. فبلوغ مليون هكتار من هذا النوع من الزراعة يعد من الأهداف الرئيسية لاستراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، وهو ما يجعل الانتقال نحو أساليب زراعية حديثة جزءا من تحول أوسع في بنية العالم القروي وطريقة اشتغاله.

ويشكل اعتماد الزرع المباشر، باعتباره أحد أبرز مكونات الزراعة المحافظة على الموارد، مثالا على الابتكارات التي يمكن أن تتجاوز آثارها الجانب التقني لتنعكس على الحياة اليومية للساكنة القروية. فالحد من عمليات حرث التربة يمكن أن يساهم في تقليص مشقة بعض الأعمال الزراعية، وتوفير الوقت، وفتح المجال أمام تنويع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وهي جوانب تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للنساء والشباب.

وفي السياق ذاته، يستمر التعاون بين المعهد الوطني للبحث الزراعي والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة في دعم عدد من المجالات المرتبطة بالزراعة المستدامة، من بينها الزراعة المحافظة على الموارد، والزرع المباشر، وتنويع المحاصيل، والإدارة المستدامة للتربة، إلى جانب تعزيز قدرة الأنظمة الزراعية على مواجهة آثار التغير المناخي.

ويشمل هذا التعاون كذلك نقل المعارف والابتكارات إلى المزارعين، مع اهتمام متزايد بإشراك النساء والشباب في هذه الدينامية، بما يسمح بجعل الابتكار الزراعي أكثر ارتباطا بالواقع المحلي وأكثر قدرة على الاستجابة للحاجيات الفعلية للساكنة القروية.

وتتجاوز هذه المقاربة الجانب الزراعي المباشر لتلامس أيضا موضوع التمكين الاقتصادي للنساء، خصوصا من خلال دعم التعاونيات النسائية ومساعدتها على الانتقال من إنتاج محدود إلى أنشطة قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص اقتصادية مستدامة. ويظهر ذلك بشكل خاص في مجالات النباتات العطرية والطبية والزعفران، حيث أصبحت النساء جزءا مهما من سلاسل الإنتاج والتثمين والتسويق.

كما يواصل المعهد مواكبة عدد من المبادرات النسائية عبر التكوين والتأطير وتقوية القدرات، في محاولة لربط البحث العلمي بالمشكلات التي تواجهها النساء في الميدان. ويتيح هذا النوع من المواكبة إمكانية تحويل المعرفة العلمية إلى أدوات عملية تساعد المزارعات على تطوير أنشطتهن وتحسين قدرتهم على الولوج إلى الأسواق والاستفادة من الفرص المتاحة.

وتؤكد تجربة مشروع MountainHER هذا المسار، بعدما جمع المشروع الذي اختتم سنة 2025 شركاء من ستة بلدان متوسطية وأكثر من 300 مزارع، غالبيتهم من النساء، حول قضايا مرتبطة بالبحث الزراعي والزراعة الإيكولوجية وتثمين الموارد المحلية والتحويل والحكامة والولوج إلى الأسواق.

وأعطى المشروع مكانة مهمة للتعاونيات النسائية، من خلال وضعها في صلب دينامية الابتكار والعمل على تعزيز قدرتها على تثمين الموارد المحلية وتطوير أنشطة اقتصادية تساهم في خلق القيمة. ويعكس ذلك توجها يتعامل مع المرأة القروية باعتبارها فاعلة اقتصادية قادرة على إنتاج المعرفة والقيمة، وليس فقط مستفيدة من برامج الدعم.

ومن جهة أخرى، يضع المعهد مسألة النوع الاجتماعي ضمن رؤية أوسع لتطوير البحث الزراعي، من خلال الاعتماد على بيانات مصنفة حسب الجنس، وتحليل الآثار التي يمكن أن تتركها الابتكارات على النساء والرجال بشكل مختلف. وتسمح هذه المقاربة بفهم أدق للواقع القروي، وتساعد على تصميم تدخلات بحثية أكثر ملاءمة للظروف الاجتماعية والاقتصادية للمستفيدين.

ويهدف هذا المسار كذلك إلى تطوير الكفاءات الداخلية في مجال البحث المراعي للنوع الاجتماعي، مع العمل على تقاسم التجارب والخبرات بين الباحثين عبر شبكة منسقة على مستوى المراكز الجهوية للبحث الزراعي. ومن شأن ذلك أن يجعل مراعاة خصوصيات النساء جزءا من العمل البحثي اليومي، وليس مجرد عنصر يضاف إلى المشاريع عند تنفيذها.

وبذلك، يطرح المعهد الوطني للبحث الزراعي تصورا يقوم على أن مستقبل الزراعة المغربية لا يرتبط فقط بتطوير التقنيات وتحسين الإنتاج، وإنما يرتبط أيضا بمن يشارك في إنتاج المعرفة ومن يستفيد من الابتكار ومن يملك القدرة على اتخاذ القرار داخل المنظومة الزراعية.

ويعني هذا التحول بالنسبة للنساء المزارعات فتح مساحة أكبر أمامهن للمشاركة في تحديد أولويات البحث، وتجريب الحلول الجديدة، وتطويرها بما يتناسب مع احتياجاتهن، ثم الاستفادة من ثمار الابتكار في حياتهن المهنية والاقتصادية.

وفي النهاية، يعكس هذا التوجه رغبة في بناء نموذج زراعي أكثر انفتاحا على الطاقات الموجودة داخل العالم القروي، حيث تصبح المرأة شريكة في البحث والابتكار وإحداث القيمة وصنع القرار. فكلما اقترب البحث العلمي من الواقع اليومي للمزارعات، ازدادت قدرته على إنتاج حلول عملية وأكثر ارتباطا بحاجيات الميدان، وهو ما يجعل إدماج النساء في منظومة البحث الزراعي جزءا من رهان أوسع على بناء فلاحة مغربية أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحولات المستقبلية.