هجر إمغري
بحث المغرب وموريتانيا سبل إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، من خلال توسيع التعاون بين رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين، وتحويل فرص التقارب التجاري والصناعي إلى مشاريع عملية تخدم المصالح المشتركة وتفتح آفاقا جديدة أمام اقتصاد البلدين.
وجاء ذلك خلال مباحثات جمعت، أمس الأربعاء في نواكشوط، السفير المغربي لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية حميد شبار، ورئيس الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين محمد زين العابدين ولد الشيخ أحمد، حيث شكل اللقاء مناسبة لتبادل وجهات النظر بشأن مستقبل الشراكة الاقتصادية المغربية الموريتانية، والسبل الكفيلة بتطويرها بما يواكب الإمكانات التي يتوفر عليها البلدان.
وسلط الجانبان الضوء على أهمية تعزيز التواصل المباشر بين الفاعلين الاقتصاديين، باعتباره مدخلا أساسيا لبناء شراكات أكثر استدامة، خصوصا في ظل تنوع المجالات التي يمكن أن تشكل قاعدة لتعاون مشترك بين المغرب وموريتانيا. كما جرى التأكيد على ضرورة الانتقال من المبادرات واللقاءات الاقتصادية إلى مشاريع ملموسة قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص جديدة للاستثمار والتبادل التجاري.
وفي هذا السياق، برزت الحاجة إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي وعدم حصرها في القطاعات التقليدية، وذلك عبر تشجيع المبادرات المشتركة واستكشاف مجالات جديدة يمكن أن تجمع المقاولات المغربية والموريتانية. ويتيح هذا التوجه إمكانية بناء شراكات تجمع الخبرات والموارد المتوفرة لدى الطرفين، بما يعزز حضور القطاع الخاص في مسار العلاقات الاقتصادية الثنائية.
كما تناولت المباحثات المشاركة الموريتانية كضيف شرف في الدورة الرابعة عشرة للمعرض الدولي لتكنولوجيات الإنتاج والصناعات الميكانيكية والمعدنية والإلكتروميكانيكية، الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 12 شتنبر الجاري، وهي مشاركة حملت دلالات اقتصادية وصناعية بالنظر إلى طبيعة القطاعات التي يستهدفها هذا الموعد المهني.
وأبرز اللقاء أهمية هذه المشاركة في توفير فضاء للتعارف وتبادل الخبرات بين الفاعلين الاقتصاديين من البلدين، فضلا عن كونها شكلت فرصة لاستكشاف إمكانات جديدة للتعاون في قطاعات ترتبط مباشرة بالإنتاج والصناعة والتعدين والطاقة. ومن شأن مثل هذه اللقاءات المهنية أن تساعد على تقريب وجهات النظر بين المستثمرين والمقاولات، وفتح المجال أمام اتفاقات وشراكات مستقبلية.
وشهد المعرض تنظيم “اليوم الخاص المغرب–موريتانيا”، الذي خصص لإبراز فرص التعاون بين البلدين ومناقشة الإمكانات المتاحة أمام الفاعلين الاقتصاديين والصناعيين. وشارك في هذه المناسبة وفد عن اتحاد أرباب العمل الموريتانيين، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بتطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز حضور القطاع الخاص في الدينامية التي تعرفها الشراكة بين الرباط ونواكشوط.
ويكتسي التعاون الصناعي أهمية خاصة في هذا المسار، بالنظر إلى قدرته على خلق روابط اقتصادية تتجاوز المبادلات التجارية المباشرة نحو بناء منظومات إنتاج مشتركة. فالتنسيق بين المقاولات المغربية والموريتانية يمكن أن يساهم في تطوير سلاسل قيمة تمتد عبر أكثر من قطاع، وتسمح باستثمار الإمكانات المتوفرة لدى كل بلد بشكل أكثر تكاملا.
ومن جهة أخرى، يبرز قطاع التعدين والطاقة ضمن المجالات التي يمكن أن تستفيد من توسيع التعاون، بالنظر إلى مكانتهما في الاقتصاد الموريتاني والإمكانات والخبرات التي راكمها المغرب في عدد من المجالات المرتبطة بالصناعة والطاقة والبنيات التحتية. ويطرح هذا التقاطع فرصا أمام الفاعلين الاقتصاديين لاستكشاف مشاريع مشتركة تقوم على تبادل الخبرات وتطوير الاستثمارات.
ويرتبط نجاح هذه الدينامية كذلك بقدرة القطاع الخاص في البلدين على الانتقال نحو شراكات طويلة الأمد، تقوم على الاستثمار والإنتاج والتكامل بدل الاقتصار على المبادلات التجارية. ومن شأن تعزيز قنوات التواصل بين رجال الأعمال أن يساعد على التعرف بشكل أفضل على حاجيات الأسواق، وتحديد القطاعات ذات الأولوية، وتسهيل بناء مشاريع تستجيب للفرص الاقتصادية المتاحة.
وفي الوقت نفسه، يمكن للتعاون الاقتصادي المغربي الموريتاني أن يشكل رافعة لتعزيز التكامل الإقليمي، خصوصا في ظل الموقع الجغرافي للبلدين وما يتيحه من إمكانات لربط الأسواق والاستفادة من البنيات التجارية واللوجستية المتوفرة. كما أن توسيع الشراكات بين المقاولات يمكن أن يمنح الاقتصادين المغربي والموريتاني قدرة أكبر على تطوير مبادرات مشتركة تستهدف الأسواق الإفريقية.
وتحضر سلاسل القيمة الصناعية بقوة ضمن هذا التصور، باعتبارها إحدى الآليات التي يمكن من خلالها تحويل العلاقات الاقتصادية إلى شراكات إنتاجية حقيقية. فبدل الاقتصار على تصدير واستيراد المنتجات الجاهزة، يتيح التعاون في سلاسل الإنتاج إمكانية توزيع مراحل التصنيع والخدمات والخبرات بين الفاعلين في البلدين، بما يساهم في رفع القيمة المضافة وتعزيز تنافسية المشاريع المشتركة.
كما أن التركيز على البناء المشترك لسلاسل القيمة التعدينية والطاقية والصناعية يعكس توجها نحو إعطاء العلاقات الاقتصادية بعدا أكثر استدامة، يقوم على الاستثمار في القطاعات المنتجة وربط المصالح الاقتصادية بين البلدين. ويمنح هذا المسار للقطاع الخاص دورا أكبر في مواكبة العلاقات الثنائية وتحويل التقارب السياسي والمؤسساتي إلى فرص اقتصادية يستفيد منها المستثمرون والمقاولات والعمال.
ويأتي تكثيف التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين في وقت تزداد فيه الحاجة إلى شراكات إفريقية قادرة على الاستفادة من الإمكانات المحلية والإقليمية، وهو ما يجعل المغرب وموريتانيا أمام فرصة لتطوير نموذج للتعاون يقوم على المصالح المتبادلة وتبادل الخبرات وتكامل القدرات.
وبذلك، لا تقتصر الرهانات المطروحة على رفع حجم المبادلات التجارية، بل تمتد إلى بناء شبكة من المشاريع والشراكات التي يمكن أن تمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين زخما جديدا. ويظل إشراك رجال الأعمال والمقاولات في هذه الدينامية عاملا أساسيا لضمان استمراريتها وتحويل فرص التعاون إلى نتائج عملية على أرض الواقع.
وتفتح هذه التحركات الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن يصبح فيها التعاون الاقتصادي والصناعي أحد أبرز مكونات العلاقات المغربية الموريتانية، خصوصا مع تزايد الاهتمام بالمشاريع المشتركة وسلاسل القيمة والاستثمار في قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة. كما تمنح اللقاءات بين ممثلي القطاع الخاص في البلدين فرصة لترجمة الرغبة المشتركة في تعزيز التعاون إلى مبادرات اقتصادية أكثر ارتباطا بحاجيات السوق وإمكانات المستقبل.







