إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية تفضح التباين مع أوضاع مخيمات تندوف

22:32 · 17/09/2026

كوثر بوجوال

سلط خبراء وفاعلون حقوقيون في جنيف الضوء على واقع حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية للمملكة، مؤكدين أن الدينامية التنموية والمؤسساتية التي تشهدها مدن مثل العيون والداخلة تقدم نموذجا مختلفا بوضوح عن الأوضاع السائدة داخل مخيمات تندوف. وجاء ذلك خلال لقاء نظم على هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بمناسبة مرور ستين سنة على اعتماد العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وناقش المشاركون مدى قدرة هاتين المرجعيتين الدوليتين على حماية السكان في المناطق المتأثرة بالنزاعات والأزمات، مع التركيز على ضرورة تحويل المبادئ القانونية إلى ضمانات عملية يشعر بها الأفراد في حياتهم اليومية. كما دعوا إلى مساءلة مختلف الأطراف المسؤولة عن تدبير أوضاع المدنيين، وإلى توسيع التعاون بين الدول والآليات الأممية والمنظمات الحقوقية، بما يمنع استمرار الانتهاكات بعيدا عن الرقابة والمحاسبة.

حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية ومسار تنموي متكامل

قدم أيمن عقيل، رئيس مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، التجربة المغربية باعتبارها مثالا على الربط بين حماية الحقوق وإطلاق المشاريع التنموية. واستشهد بالمبادرات المنجزة في الأقاليم الجنوبية، خصوصا في العيون والداخلة، حيث تتقاطع الاستثمارات في البنيات التحتية والخدمات وفرص الشغل مع توسيع المشاركة المدنية والسياسية، وفق المعطيات التي عرضها خلال اللقاء.

ويكتسب هذا الربط أهمية خاصة لأن إعمال الحقوق لا يقتصر على النصوص والضمانات القانونية، بل يشمل أيضا الولوج إلى التعليم والصحة والسكن والعمل والثقافة، والاستفادة العادلة من ثمار التنمية. ومن هذا المنطلق، اعتبر المتدخلون أن تطور المدن الجنوبية يعكس توجها يرمي إلى جعل المواطن محور السياسات العمومية، مع استمرار الحاجة إلى تقييم النتائج وتعزيز آليات المشاركة والإنصاف المجالي.

وخصص ليمام بوسيف، رئيس منظمة «Youth Pioneer»، مداخلته لمدينة الداخلة، مقدما دراسة حالة عن ممارسة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعن الآفاق التي تفتحها مشاريع التنمية والاستقرار أمام السكان. وأبرز أن المدينة باتت فضاء يجمع بين التحول الاقتصادي والانفتاح الدبلوماسي، في ظل افتتاح قنصليات أجنبية وتنامي اهتمام دولي بالمؤهلات الاستراتيجية للمنطقة.

مخيمات تندوف وأسئلة الحماية والمساءلة

في مقابل الصورة المقدمة عن الأقاليم الجنوبية، أثار الخبراء أوضاع السكان داخل مخيمات تندوف، مطالبين المجتمع الدولي بإيلاء الانتهاكات المبلغ عنها اهتماما أكبر. وأكد محمد غوزيل، رئيس مركز السلام والمصالحة، أن مسؤولية حماية الحقوق لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدول، بل يجب أن تشمل أيضا الجهات المسلحة من غير الدول عندما تمارس سلطة فعلية على السكان أو تتحكم في حياتهم وحركتهم.

وتبرز في هذا السياق أسئلة مرتبطة بحرية التنقل والتعبير والتنظيم، والحصول على المعلومات والخدمات الأساسية، فضلا عن آليات التظلم والوصول إلى العدالة. وشدد المشاركون على أن غياب الإحصاء الدقيق والرقابة المستقلة والشفافة يزيد صعوبة تقييم الاحتياجات وتحديد المسؤوليات، ويضعف قدرة الهيئات الدولية على ضمان وصول المساعدات وحماية الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء والأطفال والشباب.

كما دعا المتدخلون إلى عدم التعامل مع المخيمات باعتبارها وضعا إنسانيا مؤقتا قابلا للاستمرار إلى أجل غير محدد، لأن إطالة النزاع تعمق الهشاشة وتحرم أجيالا متعاقبة من بناء اختياراتها بحرية. واعتبروا أن الالتزام بالعهدين الدوليين يقتضي توفير شروط الكرامة والأمن والمشاركة والمحاسبة لجميع السكان، بعيدا عن الانتقائية السياسية أو توظيف المعاناة في صراعات إقليمية.

الحكم الذاتي ضمن مقاربة الاستقرار والحقوق

تناول بوسيف مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها، وفق تحليله، مقاربة قادرة على دعم الاستقرار وصيانة الحقوق ضمن السيادة المغربية. وربط هذا الطرح بالدينامية الدبلوماسية التي تعرفها القضية، وبالمواقف التي عبرت عنها عدة دول، بينها الولايات المتحدة، إلى جانب افتتاح تمثيليات قنصلية في العيون والداخلة، بما يعكس تنامي الاهتمام بالحل السياسي الواقعي والقابل للتطبيق.

ولا تنفصل قوة أي حل سياسي، بحسب النقاش، عن قدرته على ضمان المشاركة الديمقراطية والتدبير المحلي الفعال وحماية التعدد الثقافي، مع توفير شروط التنمية المتوازنة والمساءلة. لذلك رأى المشاركون أن المقاربة الحقوقية يمكن أن تمنح المسار السياسي مضمونا عمليا، لأنها تنقل النقاش من الشعارات الجامدة إلى أثر الحلول المقترحة على حياة السكان ومستقبلهم وحقهم في الأمن والازدهار.

ويظل نجاح هذه المقاربة رهينا باستمرار إشراك المنتخبين والفاعلين المحليين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات ومراقبة تنفيذ البرامج، مع نشر المعطيات بصورة منتظمة وتوسيع قنوات التظلم. فالتنمية التي لا ترافقها شفافية ومشاركة قد تفقد جزءا من أثرها، بينما تمنح الحوكمة الجيدة المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية أساسا أكثر صلابة واستدامة على المدى البعيد.

دعوة إلى تعاون دولي أكثر فاعلية

ذكر مولاي لحسن ناجي، رئيس اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في شمال إفريقيا، بالدور المركزي للعهدين في المنظومة الدولية، داعيا إلى حماية المدنيين في مناطق الأزمات، وخاصة الساحل والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وأبرز أن الذكرى الستين لاعتمادهما ينبغي أن تكون فرصة لتقوية آليات الوقاية والرصد والاستجابة، وليس مجرد محطة للاحتفاء بالمنجز القانوني.

وانتهت المناقشات إلى التأكيد أن مواجهة التمييز وحماية النساء والفتيات وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتطلب شراكة دائمة بين الحكومات والخبراء والشباب والمجتمع المدني. كما شدد الحاضرون على أهمية تبادل الممارسات الفضلى وتطوير أدوات القياس والمتابعة، حتى يصبح الالتزام الدولي قابلا للتحقق ومتصلا مباشرة بحياة السكان المعنيين.

ويكشف التباين الذي عرضه لقاء جنيف أن حماية الحقوق ترتبط بوجود مؤسسات قابلة للمساءلة، واستثمارات مستدامة، ومساحات فعلية للمشاركة. وبينما تواصل الأقاليم الجنوبية ترسيخ مسار التنمية والاندماج، تبقى أوضاع مخيمات تندوف محتاجة، وفق الخبراء، إلى رقابة دولية جادة وضمانات مستقلة تضع كرامة الإنسان فوق الحسابات السياسية وتفتح أمام السكان أفقا آمنا ومستقرا.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية