كوثر بوجوال
حسم الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ الجدل بشأن احتمال مشاركة بلاده عسكريا في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدا أن سيول ترفض نشر قوات في مضيق هرمز أو إرسال موارد عسكرية إلى ساحة القتال. وجاء موقفه ردا على تقارير تحدثت عن دراسة الحكومة الكورية الجنوبية خيارات للمساهمة في الجهود الأمنية التي تقودها واشنطن في الممر البحري الحيوي.
وخلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأزرق الرئاسي بسيول، شدد لي على أن مبدأ عدم الانخراط وعدم التدخل في الحرب سيظل ثابتا. وقال بوضوح إن بلاده لن تنشر قوات قتالية، ولن تسمح بوضع أفراد جيشها تحت قيادة قوات أجنبية داخل ساحة الحرب، في محاولة لإغلاق الباب أمام التأويلات التي رافقت التحركات الحكومية الأخيرة.
سيول ترفض نشر قوات في مضيق هرمز بشكل قاطع
أعاد الرئيس الكوري الجنوبي تأكيد موقفه أكثر من مرة، موضحا أن بلاده حافظت حتى الآن على مبدأ عدم المشاركة في الحرب، وأن هذا التوجه لن يتغير مستقبلا. وتحمل لهجته المباشرة رسالة داخلية إلى الرأي العام القلق من احتمال انتقال سيول من دور الحليف السياسي للولايات المتحدة إلى طرف عسكري معرض لخسائر ومخاطر يصعب التحكم فيها.
كما تحمل التصريحات رسالة خارجية تضع حدودا واضحة للتعاون مع واشنطن. فكوريا الجنوبية حليف للولايات المتحدة، لكنها لا تريد أن يتحول هذا التحالف تلقائيا إلى التزام بالمشاركة في كل مواجهة تخوضها القوات الأمريكية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصراع في الشرق الأوسط قد تتسع تداعياته الأمنية والاقتصادية وتتجاوز نطاقه الأول.
ونفى لي أن تكون الحكومة بصدد إرسال قوات للمشاركة في المعارك أو دعم العمليات القتالية. كما استبعد وضع جنود كوريين تحت إمرة قيادة أجنبية، وهو تفصيل مهم لأن التخوفات المتداولة لم تقتصر على فكرة الانتشار، بل شملت طبيعة المهمة المحتملة والجهة التي ستصدر الأوامر ومدى تعرض العسكريين الكوريين للخطر.
حماية السفن لا تعني المشاركة في الحرب
رغم رفض التدخل العسكري، أقر الرئيس بضرورة قيام بلاده بالحد الأدنى من الأنشطة اللازمة لحماية سفنها التجارية وطرق نقل النفط، فضلا عن صون حياة المواطنين الكوريين وسلامتهم. ويكشف هذا التمييز أن سيول لا تنوي الانسحاب من مسؤولياتها الأمنية، لكنها تسعى إلى ضبط أي تحرك ضمن نطاق دفاعي واضح لا يتحول إلى مشاركة قتالية.
ويعد الفصل بين المهمتين جوهر الموقف الكوري، لأن حماية الملاحة قد تشمل التقييم والمراقبة وتبادل المعلومات واتخاذ احتياطات مرتبطة بسلامة السفن، بينما يعني التدخل في الحرب الانضمام إلى عمليات عسكرية موجهة ضد طرف محدد. ومن خلال تصريحاته، حاول لي تثبيت خط فاصل يمنع توسيع أي مساهمة فنية أو أمنية إلى مهمة هجومية.
وكانت الحكومة الكورية الجنوبية قد أعلنت في مطلع شتنبر أنها تدرس تقديم «مساهمات» في الجهود الأمنية الأمريكية في المضيق، شريطة ألا تؤثر تلك المساهمات على القدرات العملياتية لقواتها المسلحة. وقد أثارت هذه الصيغة أسئلة بشأن طبيعة الدعم المطروح، خاصة أن كلمة المساهمات يمكن أن تشمل خيارات متعددة، من المساندة اللوجستية إلى الحضور العسكري.
فريق كوري لتقييم الوضع دون قرار بالانتشار
أرسلت سيول فريقا لتقييم الأوضاع في مضيق هرمز، لكنها أكدت أن هذه الخطوة لا تعني اتخاذ قرار بشأن نشر قوات عسكرية. ويهدف التقييم الميداني، وفق المسار المعلن، إلى تكوين صورة أدق عن المخاطر التي تهدد السفن التجارية وطرق الإمداد، وتحديد الاحتياجات الفعلية قبل بحث أي تدبير وقائي.
ويمثل إرسال فريق استطلاعي إجراء مختلفا عن الانتشار القتالي، غير أن توقيته وسط ضغوط أمريكية وتصاعد التوتر جعل الخطوة محاطة بحساسية سياسية. لذلك حرص الرئيس على توضيح أن دراسة الوضع لا تساوي الموافقة على المشاركة، وأن السلطات لن تسمح بتحويل إجراءات حماية المصالح الوطنية إلى مدخل لإقحام الجيش في المواجهة.
وتواجه الحكومة هنا معادلة دقيقة بين طمأنة المواطنين والحفاظ على التنسيق مع حليفها الأمريكي. فرفض المشاركة الصريحة قد يحد من الالتزامات العسكرية، لكنه لا يلغي حاجة سيول إلى متابعة التطورات والاستعداد لأي خطر يطال مواطنيها أو تجارتها أو إمدادات الطاقة التي تمر عبر المنطقة.
ضغوط ترامب تضع التحالف أمام اختبار جديد
يمارس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطا على كوريا الجنوبية للحصول على مساعدتها في الحرب، بينما أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى اضطراب ممر كانت تعبره قبل المواجهة نسبة تقدر بخمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال. ويمنح هذا المعطى الأزمة بعدا يتجاوز الحسابات العسكرية إلى أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وبالنسبة إلى سيول، فإن تعطل طرق نقل النفط يفرض التحرك لحماية المصالح الاقتصادية، لكن الانضمام إلى الحرب قد يفتح عليها مخاطر أكبر. ومن هنا يبدو الموقف الرئاسي محاولة للجمع بين اليقظة البحرية والحياد القتالي، مع إبقاء القرارات السيادية المتعلقة بالجيش تحت السيطرة الكورية وعدم ربطها تلقائيا بطلبات واشنطن.
موقف كوري يرسم حدود المساهمة الأمنية
يؤكد موقف لي جاي ميونغ أن سيول ستتحرك عندما يتعلق الأمر بحماية مواطنيها وسفنها ومسارات الطاقة، لكنها لن تمنح هذا التحرك طابعا قتاليا. ويعني ذلك أن أي مساهمة مستقبلية يفترض أن تبقى محدودة ومحددة الأهداف، وألا تستنزف جاهزية القوات المسلحة أو تضع الجنود تحت قيادة أجنبية.
وتكشف الأزمة أن التحالفات لا تلغي اختلاف المصالح والحسابات بين الدول، حتى في أوقات الحرب. فبينما تبحث واشنطن عن دعم أوسع، تتمسك سيول بحقها في تحديد مستوى استجابتها وفق أولوياتها الوطنية. وبهذا الموقف، ترسم كوريا الجنوبية سقفا واضحا لتعاونها في مضيق هرمز، عنوانه حماية الملاحة دون العبور إلى المشاركة في الحرب.








