إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

مسيرة دعم النظام الإيراني في طهران تتحدى تهديدات ترامب

17:33 · 18/09/2026

كوثر بوجوال

حشدت السلطات الإيرانية أنصارها في مسيرة كبيرة بطهران، بعد أكثر من ستة أشهر على اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في عرض جمع بين التعبئة السياسية والرمزية العسكرية. وشارك في التجمع رجال رفع بعضهم خناجر، ونساء حملن بنادق كلاشنيكوف، فيما أكدت مشاركات ومشاركون استعدادهم للانخراط في القتال إذا طُلب منهم ذلك، في رسالة أراد منظمو الحدث توجيهها إلى واشنطن وحلفائها.

وجاءت المسيرة في لحظة يتداخل فيها التصعيد الخارجي مع الضغوط الداخلية المتراكمة على الجمهورية الإسلامية. فالحرب المستمرة لم تعد ملفا عسكريا فقط، بل صارت أداة مركزية في الخطاب الرسمي الإيراني، إذ تستثمرها السلطات لتأكيد فكرة المواجهة الوجودية، وحشد التأييد الشعبي، وإبراز استعدادها لمواصلة الصراع رغم العقوبات والضربات وتداعيات الأزمة الاقتصادية.

عرض عسكري ورسائل تعبئة

شهدت ساحة انقلاب، أي الثورة بالفارسية، عرضا لتجهيزات عسكرية شملت عربات مدرعة خفيفة وشاحنات بيك آب مزودة برشاشات ثقيلة ومدافع هاون وقاذفات صاروخية. كما ظهر تلاميذ بزي عسكري وهم يحملون أسلحة، بحضور الرئيس مسعود بيزشكيان وعدد من قادة الحرس الثوري وقوات الأمن. ولم يكن المشهد مجرد احتفال جماهيري، بل صورة مقصودة لإظهار تماسك مؤسسات النظام وقدرتها على تنظيم استعراض تعبوي في العاصمة.

ورفعت خلال المسيرة صور للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل في قصف أمريكي إسرائيلي استهدف مقر إقامته في مستهل الحرب في 28 فبراير، إلى جانب صورة نجله مجتبى الذي خلفه في مارس ولم يظهر علنا بعد. كما حمل المتظاهرون صورا لقادة عسكريين قتلوا في الحرب، ورفعوا لافتات ساخرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والجنود الأمريكيين، مرددين شعارات تتعهد بالتضحية من أجل الجمهورية الإسلامية.

مسيرة دعم النظام الإيراني في طهران

تسعى طهران من خلال هذه المسيرة إلى إظهار أن الحرب لم تُضعف قدرتها على تعبئة أنصارها، رغم كلفة الصراع السياسية والاقتصادية. وتكتسب المسيرات في الأنظمة التي تواجه ضغوطا خارجية معنى يتجاوز عدد المشاركين، لأنها تستخدم لتقديم صورة عن الشرعية الداخلية والالتفاف حول السلطة، ولتأكيد أن أي تهديد عسكري لا يقتصر أثره على القيادة، بل يواجهه جزء من المجتمع المنخرط في خطاب المقاومة.

غير أن هذه الصورة لا تعني بالضرورة غياب التوترات أو الانتقادات داخل البلاد. فالسلطات الإيرانية تواجه منذ أشهر صعوبات معيشية متزايدة، وقد أعادت الحرب ترتيب الأولويات في الخطاب العام، بحيث باتت المواجهة الخارجية تستحوذ على مساحة واسعة من الاهتمام السياسي والإعلامي، في وقت تستمر فيه الأسئلة المرتبطة بالقدرة الشرائية والعقوبات والخدمات الأساسية.

حملة جان فدا وتسجيل المتطوعين

في ذروة القصف الأمريكي الإسرائيلي مطلع أبريل، أطلقت إيران حملة جان فدا، وهي اختصار لعبارة فدائيون من أجل إيران بالفارسية. وتهدف الحملة إلى تسجيل متطوعين لحمل السلاح والقتال عند الحاجة. وتقول السلطات إن أكثر من 30 مليون شخص سجلوا عبر الإنترنت، من أصل نحو 86 مليون نسمة يشكلون إجمالي سكان البلاد.

ويعكس هذا الرقم، إذا صحت المعطيات الرسمية، الرهان على تحويل التأييد السياسي إلى مورد بشري محتمل في سياق حرب طويلة. غير أن دلالة التسجيل الإلكتروني تختلف عن حجم المشاركة الفعلية في العمليات العسكرية، إذ تبقى قرارات التعبئة والنشر مرتبطة بحسابات السلطة والقيادة العسكرية ومسار النزاع في الميدان.

وتحاول الحملة، في بعدها الرمزي، تثبيت فكرة أن الدفاع عن الدولة مسؤولية جماعية لا حكر فيها على المؤسسة العسكرية. لكن تحويل هذا الخطاب إلى تعبئة فعلية يتطلب، وفق منطق الحرب، تنظيما وتدريبا وقرارا مركزيا، وهي عناصر لا تكشفها أرقام التسجيل وحدها بصورة كاملة أو مؤكدة.

تهديدات ترامب تضاعف حدة المواجهة

جاءت المسيرة غداة تصريحات جديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيها إن التدخل للقضاء على السلطات الإيرانية قرار كبير، وإن كل الخيارات تبقى ممكنة. ورد مشاركون في التجمع على هذا الخطاب برفض فكرة إمكان إسقاط الجمهورية الإسلامية، معتبرين أن واشنطن لو كانت قادرة على تحقيق ذلك لفعلته في بداية الحرب.

وتشير هذه المواجهة اللفظية إلى أن الحرب لا تدار بالسلاح وحده، بل أيضا بالرسائل النفسية والسياسية. فواشنطن تستخدم التهديد لإبقاء الضغط على طهران، بينما تقدم الأخيرة مسيرات التعبئة وحملات التطوع باعتبارها دليلا على استمرار القدرة على الصمود. وبين الخطابين، تتسع مساحة عدم اليقين بشأن المدى الذي يمكن أن يبلغه التصعيد وما إذا كان سيفتح بابا لمسار تفاوضي جديد.

مضيق هرمز والارتدادات الاقتصادية

تمتد آثار الحرب إلى خارج الحدود الإيرانية، خصوصا بعد إغلاق طهران عمليا مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار المحروقات، وإلى مخاوف في الولايات المتحدة من انعكاس النزاع على الوضع الاقتصادي والسياسي، في وقت تقترب فيه انتخابات منتصف الولاية المقررة في نونبر.

وفي الداخل الإيراني، فاقمت الحرب صعوبات تلبية الحاجات الأساسية، فيما شددت واشنطن عقوباتها خلال الأسابيع الأخيرة. وقد شهد دجنبر تظاهرات انطلقت بسبب غلاء المعيشة وتحولت إلى احتجاجات مناهضة للسلطات، قبل أن يمنح النزاع المتواصل النظام فرصة لإعادة توجيه الأنظار نحو المواجهة الخارجية وتقديمها بوصفها أولوية وطنية عاجلة.

التعبئة لا تلغي أزمات الداخل

تكشف مسيرة دعم النظام الإيراني في طهران أن السلطة تراهن على الشارع المنظم والرموز العسكرية لتثبيت خطابها في زمن الحرب. لكنها تكشف أيضا أن معركة الصورة لا تنفصل عن معركة الاقتصاد والشرعية والقدرة على إدارة آثار العقوبات والقتال. وبين الحشد في الساحات والضغط في حياة الناس اليومية، يبقى مستقبل المواجهة مرتبطا بقدرة الأطراف على تجنب انزلاق أطول وأكثر كلفة.