ياسر الرقاص
لم يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مجالا للتكهنات حول مستقبله السياسي، موجها رسالة حاسمة لخصومه في الخارج والطامحين لخلافته في الداخل، مفادها أنه لن يغادر الحلبة السياسية حتى وإن مني بهزيمة في صناديق الاقتراع المقبلة.
نتنياهو، الذي يبدو أنه يستشعر الخطر المحدق بمستقبله، أعلن بوضوح استعداده لانتقال تكتيكي إلى مقاعد المعارضة، متوعدا بأن تكون هذه الخطوة مجرد محطة مؤقتة سيستغلها لقيادة جبهة شرسة تهدف إلى شل أي حكومة قادمة، وتقصير عمرها، واستبدالها في أسرع وقت ممكن.
وتأتي هذه المواقف الصارمة، التي نقلتها صحيفة “معاريف”، لتشكل ردا مباشرا على مؤشرات رقمية قاسية تضرب عمق قاعدته الانتخابية، فالشارع الإسرائيلي، بحسب أحدث استطلاعات الرأي، يعاقب حزب “الليكود” الحاكم بتراجع دراماتيكي غير مسبوق، حيث تنذر الأرقام بانكماش كتلته البرلمانية من 36 مقعدا يسيطر عليها اليوم في الكنيست، إلى 18 مقعداً فقط.
هذا النزيف الحاد في الشعبية يتزامن مع تحول بوصلة الناخب الإسرائيلي نحو القيادات العسكرية السابقة، إذ أظهرت الاستطلاعات تفضيلاً متزايداً لتولي غادي آيزنكوت منصب رئاسة الحكومة، في دلالة واضحة على بحث الشارع عن طمأنينة أمنية بديلة عن القيادة الحالية.
ولا يمكن قراءة تصريحات نتنياهو بمعزل عن حالة الغليان المكتوم داخل أروقة حزبه. فخلف الأبواب المغلقة، بدأت قيادات وازنة في “الليكود” بسن سكاكينها السياسية استعدادا لمرحلة انتقالية كانوا يظنونها قريبة.
إعلان نتنياهو البقاء يمثل “فرملة” قسرية لهذه التحركات، ورسالة تأديبية لحلفائه قبل خصومه بأن مفاتيح الحزب ستبقى بيده، وأنه لن يسمح بحدوث فراغ قيادي يسهل الانقضاض عليه.
وبالنظر إلى السياق التاريخي والسياسي الأوسع، فإن تلويح نتنياهو بسلاح المعارضة ليس مجرد تهديد فارغ. فالرجل الذي يُلقب بـ “الساحر” في الأوساط السياسية الإسرائيلية، يمتلك سجلاً حافلاً في النجاة من الزلازل السياسية.
وتشير القراءات إلى أن أي حكومة بديلة قد تشكل مستقبلا حتى وإن قادها آيزنكوت أو حلفاؤه في تحالفات الوسط ستعاني حتما من هشاشة الائتلافات الأيديولوجية المتناقضة.
وهو تماما الصدع الذي يجيد نتنياهو اللعب عليه وتوسيعه لإسقاط الحكومات، مستنسخا ذات التكتيك الذي اعتمده سابقاً في تفكيك حكومة “بينيت – لابيد“، ليؤكد مجددا أن خروجه من الباب الحكومي قد يعني عودته السريعة من نافذة الأزمات البرلمانية.







