إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

التقدم الروسي يضغط على جبهات أوكرانيا.. حسم يلوح في الشرق أم استنزاف بلا نهاية؟

20:37 · 19/09/2026

فتيحة شاطر

يتقدم الجيش الروسي على عدد من محاور القتال في الشرق الأوكراني، خصوصًا في دونيتسك وزابوريجيا، فيما ترد كييف بتكثيف هجماتها بالطائرات المسيّرة على أهداف داخل الأراضي الروسية، في مشهد يعكس استمرار المواجهة بين الضغط العسكري البري الذي تمارسه موسكو، ومحاولات أوكرانيا نقل المعركة إلى العمق الروسي.

ورغم الحديث المتزايد عن سقوط بلدات وقرى واقتراب القوات الروسية من استكمال سيطرتها على مناطق إضافية في دونباس، فإن وصف ما يجري بأنه انهيار شامل للدفاعات الأوكرانية لا يزال موضع خلاف. فأوكرانيا ما تزال تتوفر على قوات قادرة على المقاومة، كما تواصل تلقي الدعم العسكري والمالي من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

ويرى الباحث في العلوم السياسية والاستراتيجية رولان بيغاموف أن الحديث عن انهيار الدفاعات الأوكرانية سابق لأوانه، لأن كييف ما تزال تمتلك الموارد والحلفاء والإرادة اللازمة لمواصلة القتال، رغم الخلافات الداخلية والصراعات القائمة بين بعض مراكز القرار والنخب السياسية الأوكرانية.

لكن ذلك لا يلغي، بحسب بيغاموف، أن روسيا تتقدم ميدانيًا في أغلب الاتجاهات، بينما تسعى أوكرانيا إلى تعويض الضغوط التي تواجهها على الأرض من خلال استخدام مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة لضرب مناطق داخل روسيا.

وتستطيع هذه الهجمات إيلام الجانب الروسي وإرباك دفاعاته، لكنها لا تكفي وحدها لقلب موازين الحرب، لأن الحسم العسكري يرتبط بما تحققه القوات على الأرض وقدرتها على السيطرة على المواقع والاحتفاظ بها.

وفي المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد العروقي أن حجم التقدم الروسي لا يتناسب مع الصورة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام. فالقوات الروسية تتقدم بالفعل، لكن ببطء شديد، ولا توجد مؤشرات ميدانية مؤكدة على قرب انهيار الجبهة الأوكرانية أو اكتمال السيطرة على دونباس خلال أسابيع أو أشهر قليلة.

وتشهد بعض المحاور عمليات كر وفر بين الطرفين، في وقت تحاول فيه القوات الأوكرانية تنفيذ تحركات مضادة، خصوصًا في محور ليمان، لمنع الجيش الروسي من توسيع نطاق تقدمه والضغط على مواقعها في الشرق.

ويكشف الاختلاف في تقييم العمليات العسكرية عن جبهة موازية لا تقل أهمية عن جبهات القتال، تتمثل في الحرب الإعلامية. فموسكو تمتلك آلة إعلامية قوية قادرة على تقديم كل تقدم ميداني باعتباره تحولًا استراتيجيًا، بينما يعاني الخطاب الأوكراني الموجه إلى المنطقة العربية من ضعف واضح في التأثير.

ولهذا يتركز الحديث يوميًا على سقوط بلدات وقرى صغيرة، من دون التوقف عند الفرق بين السيطرة على مواقع محدودة واحتلال مدن كبرى. فروسيا، رغم تفوقها العسكري، تحتاج إلى وقت طويل وقوات كبيرة وخسائر مرتفعة إذا أرادت السيطرة على كامل منطقة دونباس، فضلًا عن احتلال أوكرانيا بأكملها.

ولا تنفصل الحرب الدائرة عن المواجهة الأوسع بين روسيا والغرب. فما بدأ صراعًا روسيًا أوكرانيًا تحول إلى حرب غير مباشرة بين موسكو والدول الغربية، بعدما أصبحت أوكرانيا تتلقى الأسلحة والمعلومات والدعم المالي من حلفائها.

وينظر الغرب إلى أوكرانيا باعتبارها خط الدفاع الأول أمام روسيا، انطلاقًا من مخاوفه من أن يؤدي سقوطها إلى انتقال الضغط الروسي نحو دول أخرى، خصوصًا بولندا ودول البلطيق. ولهذا لا يرتبط الدعم الغربي لكييف بمحبة أوكرانيا فقط، وإنما بالرغبة في منع موسكو من توسيع نفوذها والاقتراب أكثر من حدود دول حلف شمال الأطلسي.

ومن جهتها، تعتبر روسيا أن الدول الأوروبية لا تسعى إلى إنهاء الحرب، بل تستخدم القوات الأوكرانية لاستنزاف الجيش الروسي من دون الدخول في مواجهة مباشرة معه. ومن هذا المنطلق جاء اتهام الرئيس فلاديمير بوتين للقادة الأوروبيين باستخدام الأوكرانيين «وقودًا للمدافع».

غير أن أوكرانيا ترى أنها تدافع عن أراضيها، وأن من حقها تلقي الدعم الخارجي، تمامًا كما تتعاون روسيا عسكريًا وسياسيًا مع الصين وإيران وكوريا الشمالية. وهكذا أعادت الحرب تشكيل التحالفات الدولية، ووسعت دائرة المواجهة لتتجاوز حدود البلدين.

وتعود جذور أزمة الثقة بين موسكو والغرب إلى سنوات سبقت الحرب الحالية. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، طرحت روسيا نفسها جزءًا من الفضاء الأوروبي، وتحسنت علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية خلال عهدي ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسين.

لكن هذه العلاقات بدأت تتدهور مع حرب يوغوسلافيا وقصف بلغراد، ثم توالت موجات توسع حلف الناتو نحو شرق أوروبا وضم دول كانت في السابق ضمن المجال السوفياتي، بينها بولندا ودول البلطيق.

وشكل إعلان الحلف عام 2008 أن أوكرانيا وجورجيا قد تصبحان عضوين فيه نقطة تحول حاسمة بالنسبة إلى موسكو، التي رأت في ذلك اقترابًا مباشرًا للناتو من حدودها وتهديدًا لمصالحها الأمنية.

أما أوكرانيا، فلم تعد تبحث فقط عن عضوية الحلف، بل عن ضمانات أمنية تمنع تعرضها لهجوم جديد. وتستند كييف في ذلك إلى تجربتها مع مذكرة بودابست لعام 1994، عندما تخلت عن ترسانتها النووية مقابل ضمانات باحترام سيادتها وحدودها، قبل أن تنهار الثقة بينها وبين موسكو.

لذلك أصبحت الضمانات الأمنية، سواء قدمها الناتو أو الولايات المتحدة أو مجموعة من الدول الكبرى، في قلب أي تسوية محتملة. وفي المقابل، تصر روسيا على منع تحول أوكرانيا إلى قاعدة عسكرية غربية ملاصقة لحدودها.

وبين شروط موسكو ومخاوف كييف وحسابات الغرب، لا يبدو أن أي طرف قادر حاليًا على تحقيق انتصار سريع وحاسم. روسيا تتقدم، لكن تقدمها بطيء ومكلف، وأوكرانيا تتراجع في بعض المواقع، لكنها لم تفقد قدرتها على المقاومة والرد.

وهكذا تبقى الحرب أقرب إلى استنزاف طويل، تستخدم فيه روسيا تفوقها البري، بينما تعتمد أوكرانيا على الدعم الغربي والطائرات المسيّرة والضربات البعيدة. أما الحسم، فلا يزال بعيدًا ما دامت المعارك مستمرة وشروط التفاوض غير مقبولة من الطرفين.