ناصر الدين العسروتي
تدخل الولايات المتحدة المرحلة الحاسمة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر، بينما يواجه الحزب الديمقراطي معركة مزدوجة: الأولى ضد الجمهوريين للسيطرة على مجلسي الكونغرس، والثانية داخل صفوفه بين الجناحين المعتدل والتقدمي.
فبعد انتخابات تمهيدية شهدت منافسات قوية في عدد من الولايات، لم تنتهِ الخلافات بإعلان أسماء المرشحين، بل انتقلت آثارها إلى الحملات الانتخابية. وما يزال عدد من قادة الحزب وشخصياته البارزة يترددون في تأييد مرشحين فازوا ببطاقة الديمقراطيين، خصوصًا أولئك المحسوبين على التيار التقدمي والاشتراكيين الديمقراطيين.
وتزداد خطورة هذه الانقسامات لأن المعركة على الكونغرس قد تُحسم بعدد محدود من المقاعد في ولايات متأرجحة، بينها مين وميشيغان وتكساس وفلوريدا. وأي ضعف في التعبئة أو التمويل أو دعم المرشح الرسمي للحزب قد يمنح الجمهوريين فرصة الاحتفاظ بأغلبيتهم.
وتدرك القيادة الديمقراطية أن استعادة أحد مجلسي الكونغرس، على الأقل، تمثل ضرورة سياسية للحزب. غير أن نتائج الانتخابات التمهيدية أظهرت اتساع الفجوة بين قواعد تطالب بتغيير جذري في توجهاته، وقيادات تخشى أن تؤدي المواقف التقدمية إلى خسارة أصوات الناخبين الوسطيين.
وحذرت النائبة الديمقراطية التقدمية سمر لي، التي تخوض بدورها معركة إعادة انتخابها في ولاية بنسلفانيا، من أن استمرار الخلافات قد يُضعف الحزب في مواجهة الجمهوريين.
وأكدت أن جميع التيارات، سواء كانت تقدمية أو وسطية أو محافظة، لديها مصلحة مشتركة في إيصال مرشحي الحزب إلى الفوز في نوفمبر، مشددة على أن الفشل في انتزاع أحد مجلسي الكونغرس سيجعل تنفيذ برنامج الديمقراطيين أكثر صعوبة.
ولاية مين واختبار إسقاط سوزان كولينز
تمثل ولاية مين إحدى أهم ساحات المعركة على مجلس الشيوخ، إذ يراهن الديمقراطيون على هزيمة السناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تُعد من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين عرضة لخسارة مقعدها.
ويخوض الديمقراطي تروي جاكسون السباق في مواجهة كولينز، لكن حملته لم تحصل حتى الآن على تأييد واضح من حاكمة الولاية جانيت ميلز، التي سبق أن ترشحت لمجلس الشيوخ وكانت تطمح بدورها إلى منافسة كولينز.
ويثير غياب موقف صريح من ميلز تساؤلات بشأن قدرة الديمقراطيين على تجاوز خلافات الانتخابات التمهيدية وتوحيد قواعدهم خلف مرشح واحد في سباق قد يؤثر مباشرة في موازين القوى داخل مجلس الشيوخ.
ويرى جيم ميلتشر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة مين بفارمينغتون، أن الديمقراطيين في الولاية يظهرون قدرًا كبيرًا من الوحدة، لكنه اعتبر عدم إعلان جانيت ميلز دعمها لتروي جاكسون العنصر الأكثر إثارة للانتباه.
أما قيادة الحزب الديمقراطي في مين، فتؤكد أن صفوفها موحدة وأن النشاط الميداني ونسبة المشاركة في اختيار المرشحين يعكسان وجود حماس انتخابي حقيقي.
وقال المدير التنفيذي للحزب في الولاية، ديفون مورفي أندرسون، إن تروي جاكسون أمضى مسيرته في الدفاع عن العمال، وإن حملته تكتسب زخمًا متزايدًا يمكن أن يساعده على إلحاق الهزيمة بسوزان كولينز.
لكن السباق لن يُحسم بالشعارات وحدها، إذ يحتاج جاكسون إلى تعبئة جميع التيارات الديمقراطية، بما فيها أنصار المرشحين الذين خسروا الانتخابات التمهيدية، لمواجهة قاعدة جمهورية تسعى إلى الاحتفاظ بالمقعد.
عبدول السيد يختبر وحدة الديمقراطيين في ميشيغان
تبدو الانقسامات أكثر وضوحًا في ولاية ميشيغان، حيث يترشح عبدول السيد عن الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، في مواجهة الجمهوري مايك روجرز.
ويُعد السيد من أبرز وجوه الجناح التقدمي، وتشير استطلاعات الرأي إلى منافسة متقاربة بينه وبين روجرز في ولاية تمثل إحدى أهم ساحات الصراع على الأغلبية داخل الكونغرس.
غير أن ترشح عبدول السيد أثار تحفظات لدى بعض الديمقراطيين الوسطيين، بسبب ارتباطه بالإعلامي التقدمي حسن بايكر، إضافة إلى مواقفه وخطابه بشأن إسرائيل واليهود.
وقد دفع ذلك عددًا من الشخصيات البارزة في الحزب إلى التريث في إعلان تأييدها له، ما أثار مخاوف من أن تتحول آثار الانتخابات التمهيدية إلى انقسام دائم يضعف فرص الحزب في نوفمبر.
وكانت النائبة هايلي ستيفنز قد خاضت منافسة قوية ضد عبدول السيد خلال الانتخابات التمهيدية، قبل أن تعلن دعمها الكامل له عقب إعلان النتائج. وظهر المرشحان معًا خلال إفطار في اليوم التالي، في محاولة لتوجيه رسالة تؤكد انتهاء المنافسة الداخلية والانتقال إلى مواجهة الجمهوريين.
وأفاد مستشار في حملة السيد بأن التواصل مستمر بين المعسكرين، وأن الحملة تعتبر ستيفنز جزءًا أساسيًا من التحالف المطلوب لهزيمة مايك روجرز.
لكن إعلان التأييد لم ينهِ جميع التساؤلات، إذ لم يتضح بعد ما إذا كانت ستيفنز ستشارك فعليًا في الأنشطة الانتخابية لعبدول السيد أو ستكتفي بالدعم السياسي المعلن.
ويكشف هذا الوضع حجم التحدي الذي يواجه الديمقراطيين في ميشيغان. ففوز مرشح تقدمي في الانتخابات التمهيدية لا يعني تلقائيًا حصوله على الدعم الكامل من الجناح الوسطي، رغم أن خسارة المقعد ستمنح الجمهوريين أفضلية مهمة في مجلس الشيوخ.
الاشتراكية تفجر مواجهة داخل الكونغرس
لم تبقَ الخلافات محصورة داخل الحملات الانتخابية، بل انتقلت إلى مبنى الكونغرس، بعدما انضم ثمانية ديمقراطيين معتدلين إلى الجمهوريين في التصويت لمصلحة قرار يندد بالاشتراكية.
وأثار هذا التصويت غضب الاشتراكيين الديمقراطيين، الذين اعتبروا أن بعض أعضاء الحزب اختاروا مهاجمة مرشحين ينتمون إلى معسكرهم في الوقت الذي يحتاج فيه الديمقراطيون إلى الوحدة.
وجاءت أبرز الانتقادات من دارياليزا أفيلا شوفالييه وكلير فالديز، اللتين تستعدان لدخول مجلس النواب بعد انتصارهما على مرشحين مدعومين من مؤسسة الحزب في الانتخابات التمهيدية بولاية نيويورك.
واعتبرت شوفالييه أن القرار استهدف الاشتراكيين الديمقراطيين بصورة مباشرة، مؤكدة أن الحزب لا يحتاج إلى التنصل من تاريخه، بل إلى توحيد صفوفه في مواجهة نفوذ الشركات وإخراج المال من الحياة السياسية والدفاع عن مصالح الطبقة العاملة.
ويعكس هذا الجدل خلافًا أعمق بشأن هوية الحزب ومستقبله. فالجناح المعتدل يرى أن الابتعاد عن السياسات الاشتراكية ضروري لجذب الناخبين المستقلين والوسطيين، بينما يعتقد التقدميون أن الحزب لن يستطيع تعبئة الشباب والعمال والأقليات من دون تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي أكثر جرأة.
فوز أنجي نيكسون يربك الديمقراطيين في فلوريدا
وفي فلوريدا، أحدثت أنجي نيكسون مفاجأة انتخابية بعد فوزها بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ على حساب اللفتنانت المتقاعد أليكس فيندمان، الذي دخل المنافسة بتمويل أكبر ودعم أوسع من شخصيات داخل المؤسسة الحزبية.
وتمكنت نيكسون، المحسوبة على الاشتراكيين الديمقراطيين، من حسم الانتخابات التمهيدية بفارق تجاوز تسع نقاط مئوية، لتصبح مرشحة الحزب في مواجهة السناتورة الجمهورية آشلي مودي.
وبعد هزيمته، أعلن فيندمان أنه سيقف إلى جانب نيكسون في معركتها ضد مودي، كما قدم 825 ألف دولار لدعم المرشحين الديمقراطيين، خُصص منها 400 ألف دولار للحزب في فلوريدا لمساندة نيكسون وبقية مرشحيه.
ورغم ذلك، ما تزال أسئلة تُطرح بشأن مستوى الدعم الذي تقدمه قيادة الحزب لنيكسون، مقارنة بالحماس الذي أظهرته سابقًا لترشيح فيندمان.
وقال ديريك سكوت، رئيس الحزب الديمقراطي في مقاطعة إسكامبيا، إن شعار «صوّت للأزرق بغض النظر عن المرشح» يبدو وكأنه أصبح خاضعًا للاستثناء بعد فوز نيكسون، مشيرًا إلى أن رئيسة الحزب الديمقراطي في فلوريدا، نيكي فريد، لم تعلن دعمًا كاملًا وقاطعًا للمرشحة.
ونفى متحدث باسم الحزب غياب الدعم، مؤكدًا أن فريد شاركت إلى جانب نيكسون ومرشح آخر في مؤتمر صحفي مشترك، وأن قيادة الحزب تعمل بصورة وثيقة مع حملتها وتتواصل باستمرار مع فريقها.
لكن الجدل تجاوز مسألة التأييد العلني ليصل إلى علاقة الحزب بالناخبين السود والمرشحين القادمين من الأقليات.
وقالت تشاني جاكسون، المديرة التنظيمية السابقة لحملة نيكسون، إن الناخبين يشعرون بالإحباط من قادة استهانوا بقدرات المرشحة، متهمة بعض المؤسسات الديمقراطية بالسعي إلى الاستفادة من جهود الناخبين السود لزيادة نسبة المشاركة دون بناء دعم مستمر للحملات التي تقودها شخصيات سوداء.
واختصرت موقفها بالقول إن قيادات الحزب تريد جهود هؤلاء الناخبين، لكنها لا تريد قيادتهم، وتنتظر منهم القيام بالعمل الميداني بينما تنسب النجاح إلى نفسها.
تكساس وآثار المنافسة التمهيدية
وتظهر آثار الانقسام كذلك في ولاية تكساس، حيث رفضت عضوة ديمقراطية في مجلس النواب المشاركة في حملة النائب المحلي الذي هزمها في الانتخابات التمهيدية لمقعد مجلس الشيوخ.
ويؤكد هذا الموقف أن إعلان النتائج لم يكن كافيًا لإغلاق صفحة المنافسة الداخلية، وأن بعض المرشحين الخاسرين لم ينتقلوا إلى مرحلة دعم الفائزين كما جرت العادة داخل الأحزاب خلال المعارك الانتخابية الكبرى.
وتحتاج الحملات الديمقراطية في الولايات المتأرجحة إلى دعم سياسي ومالي وتنظيمي واسع، لأن الجمهوريين سيدخلون المنافسة بقواعد انتخابية أكثر انتظامًا وبهدف الحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.
معركة على هوية الحزب قبل معركة الكونغرس
تكشف الخلافات في مين وميشيغان ونيويورك وفلوريدا وتكساس أن الحزب الديمقراطي لا يخوض انتخابات عادية، بل يواجه اختبارًا يتعلق بهويته السياسية وقدرته على الجمع بين تيارات متباعدة.
فالجناح التقدمي يطالب بسياسات أكثر وضوحًا في قضايا العدالة الاجتماعية والضرائب والرعاية الصحية ونفوذ الشركات والموقف من إسرائيل، بينما يخشى المعتدلون من أن تؤدي هذه التوجهات إلى خسارة أصوات الناخبين الوسطيين.
لكن التحدي المباشر لا يتعلق بحسم الصراع الفكري داخل الحزب، وإنما بقدرة جميع أجنحته على العمل خلف المرشحين الذين اختارهم الناخبون في الانتخابات التمهيدية.
وإذا استمرت الشخصيات الديمقراطية البارزة في حجب تأييدها أو امتنعت عن المشاركة في الحملات، فقد يدفع الحزب ثمن ذلك في الولايات التي تُحسم فيها النتائج بفوارق محدودة.
ويواجه الديمقراطيون سباقًا مع الوقت لإعادة توجيه المنافسة من الداخل نحو الجمهوريين، وحشد الناخبين خلف هدف استعادة الكونغرس. لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من تصريحات عن الوحدة، إذ يحتاج إلى دعم واضح للمرشحين وتوفير التمويل والكوادر والظهور المشترك في الحملات.
وستكشف انتخابات الثالث من نوفمبر ما إذا كان الديمقراطيون قادرين على تجاوز صراعاتهم واستعادة أحد مجلسي الكونغرس، أم أن المواجهة بين المعتدلين والتقدميين ستمنح الجمهوريين فرصة الاحتفاظ بالسلطة التشريعية.







