كوثر بوجوال
الشيخوخة الديموغرافية في أستراليا أصبحت خطرا اقتصاديا طويل الأمد، بعدما حذرت الحكومة من أن تراجع معدلات الخصوبة وتباطؤ النمو السكاني قد يفرضان ضغوطا متزايدة على الموارد المالية العمومية وسوق العمل خلال العقود المقبلة.
وقال وزير الخزانة الأسترالي جيم تشالمرز إن معدل الخصوبة يتراجع بصورة أكبر وأسرع مما كانت تتوقعه الحكومة قبل ثلاثة أعوام، ما يدفع السلطات إلى إعادة النظر في تقديراتها السكانية والاقتصادية.
وتستعد وزارة الخزانة لإصدار أحدث تقاريرها حول تعاقب الأجيال، وهو تقرير يستند إلى توقعات تمتد لأربعين سنة ويهدف إلى توجيه السياسات الاستراتيجية طويلة الأمد، خصوصا في مجالات الإنفاق العام والعمل والنمو السكاني والخدمات الاجتماعية.
الشيخوخة الديموغرافية في أستراليا
تواجه أستراليا تحولا تدريجيا في تركيبتها السكانية، مع انخفاض عدد الولادات مقارنة بحجم السكان وارتفاع نسبة كبار السن، ما يؤدي إلى تقلص حصة السكان الموجودين في سن العمل.
ولا يعني استمرار ارتفاع العدد الإجمالي للسكان بالضرورة اختفاء المشكلة، لأن التحدي يرتبط بتركيبة المجتمع وليس بحجمه فقط. فكلما ارتفعت نسبة كبار السن مقارنة بالعاملين، ازدادت الضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.
وأشار تشالمرز إلى أن تراجع الخصوبة يجري بوتيرة تتجاوز التقديرات السابقة، وهو ما يجعل التحولات الديموغرافية أسرع من السيناريوهات التي اعتمدتها الحكومة قبل ثلاثة أعوام.
اقرأ أيضاً: اجتماع الجنرالات السري في ألمانيا… هل تُسلّم واشنطن أمن الخليج لإسرائيل؟
ويفرض هذا التطور على الحكومة مراجعة خططها المتعلقة بالإيرادات والإنفاق، لأن انخفاض نسبة العاملين يمكن أن يؤدي مستقبلا إلى تباطؤ نمو العائدات الضريبية، في مقابل ارتفاع الطلب على الخدمات الموجهة إلى كبار السن.
كما قد يؤثر تقلص قاعدة القوى العاملة في قدرة الاقتصاد على المحافظة على وتيرة النمو، ما لم ينجح في رفع الإنتاجية وتحسين مشاركة السكان في سوق الشغل والاستفادة من الكفاءات المتاحة.
عدد السكان لن يتجاوز 39 مليونا
يبلغ عدد سكان أستراليا حاليا نحو 28.1 مليون نسمة، وتتوقع الحكومة وصوله إلى قرابة 39 مليونا بحلول منتصف ستينات القرن الحالي.
ويمثل هذا الرقم تعديلا نزوليا مقارنة بالتقديرات السابقة التي كانت تشير إلى إمكانية تجاوز عدد السكان حاجز 40 مليون نسمة خلال الفترة نفسها.
ويعكس خفض التوقعات السكانية تغيرا في الفرضيات المتعلقة بالخصوبة والنمو الطبيعي للسكان، إلى جانب العوامل الأخرى التي تتحكم في المسار الديموغرافي للبلاد.
اقرأ أيضاً: كولومبيا تطوي صفحة بيترو وتعيد بوصلتها نحو المغرب من رهان البوليساريو إلى الاعتراف بالسيادة المغربية
ورغم أن الفارق بين 39 و40 مليون نسمة قد يبدو محدودا من الناحية العددية، فإنه يحمل دلالة اقتصادية مهمة عندما يرتبط بتوقعات تمتد لأربعة عقود، لأن تراجع النمو السكاني يؤثر في حجم سوق العمل والاستهلاك والطلب على السكن والاستثمار في البنيات التحتية.
كما تعتمد قطاعات اقتصادية متعددة على نمو عدد السكان لتوسيع قاعدة المستهلكين والحفاظ على الطلب، بينما تحتاج الحكومة إلى تقديرات دقيقة لتحديد حاجات المدن المستقبلية من النقل والمدارس والمستشفيات والمرافق العامة.
ويجعل تغير التوقعات من الضروري مراجعة البرامج والاستثمارات طويلة الأمد، حتى لا تستند السياسات العمومية إلى أرقام سكانية لم تعد تعكس المسار المرجح للبلاد.
ضغوط متزايدة على الميزانية
يمثل ارتفاع كلفة الخدمات الصحية والاجتماعية أحد أبرز التحديات المرتبطة بالشيخوخة السكانية، لأن كبار السن يحتاجون عادة إلى رعاية صحية أكبر وأكثر استمرارية.
كما تتزايد الالتزامات المرتبطة بأنظمة التقاعد والدعم الاجتماعي، في وقت قد يتباطأ فيه نمو عدد دافعي الضرائب إذا انخفضت نسبة السكان الموجودين في سن العمل.
وتجد الحكومة نفسها أمام معادلة مالية تتطلب ضمان جودة الخدمات والمحافظة على استدامة الموارد العمومية، دون تحميل الأجيال العاملة أعباء متزايدة بصورة تهدد الاستهلاك والاستثمار.
ولا تظهر آثار الشيخوخة الديموغرافية دفعة واحدة، بل تتراكم تدريجيا خلال سنوات طويلة، ما يجعل الاستعداد المبكر أقل كلفة من تأجيل الإصلاحات إلى حين تحول الضغط السكاني إلى أزمة مالية مباشرة.
ويكتسب تقرير تعاقب الأجيال أهمية في هذا السياق، لأنه يسمح للحكومة بقياس الاتجاهات المحتملة وإظهار الفارق بين الموارد المتاحة والالتزامات المستقبلية.
كما يساعد التقرير على اختبار قدرة السياسات الحالية على الصمود خلال أربعين سنة، وتحديد المجالات التي تتطلب تدخلا مبكرا للحفاظ على التوازن بين الأجيال.
سوق العمل أمام تحدي تقلص القوى العاملة
لا تقتصر تداعيات الشيخوخة على الإنفاق العمومي، بل تمتد إلى سوق العمل وقدرة الشركات على العثور على اليد العاملة والكفاءات الضرورية.
ومع انخفاض عدد المواليد، يدخل عدد أقل من الشباب إلى سوق الشغل مستقبلا، بينما يغادره عدد متزايد من العاملين عند بلوغ سن التقاعد.
وقد يؤدي هذا الاختلال إلى نقص في العمالة داخل قطاعات حيوية، خاصة إذا لم يترافق مع رفع الإنتاجية وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية أمام مختلف فئات المجتمع.
ويصبح الاستثمار في التعليم والتكوين والتكنولوجيا أكثر أهمية في ظل هذه التحولات، لأن الاقتصاد سيحتاج إلى إنتاج قيمة أكبر اعتمادا على قوة عاملة تنمو بوتيرة أبطأ.
كما يمكن لإطالة مدة النشاط المهني بصورة طوعية وملائمة، وتحسين شروط عمل الفئات الأكبر سنا، وتسهيل مشاركة النساء والشباب في سوق الشغل، أن تساهم في تخفيف جزء من الضغوط المستقبلية.
وتظل الهجرة بدورها أحد العوامل المؤثرة في النمو السكاني وحجم القوى العاملة، لكن الاعتماد عليها يتطلب تخطيطا يراعي حاجات الاقتصاد وقدرة المدن والخدمات العامة على استيعاب الوافدين.
تقرير يمتد في توقعاته لأربعين سنة
يرتقب أن تكشف وزارة الخزانة الأسترالية في تقريرها الجديد عن صورة أكثر تفصيلا للتحولات السكانية والمالية التي قد تواجهها البلاد خلال العقود الأربعة المقبلة.
ولا يقدم هذا النوع من التقارير تنبؤا حتميا بالمستقبل، بل يبني سيناريوهات استنادا إلى البيانات المتاحة والفرضيات المتعلقة بالخصوبة ومتوسط العمر والنمو الاقتصادي وسوق العمل.
وتسمح هذه التوقعات للحكومة بتقدير أثر القرارات الحالية في الأجيال المقبلة، وتقييم قدرة الميزانية على تمويل الخدمات العامة دون اللجوء إلى مستويات غير مستدامة من العجز أو الدين.
كما يضع التقرير صناع القرار أمام مسؤولية صياغة سياسات تتجاوز الدورات الانتخابية القصيرة، لأن التحديات الديموغرافية تحتاج إلى استمرارية وتدرج في التنفيذ.
ويصعب التعامل مع الشيخوخة السكانية عبر إجراء واحد، نظرا إلى ارتباطها بعدة مجالات تشمل الأسرة والسكن والعمل والهجرة والصحة والتعليم والإنتاجية.
لذلك يرتقب أن يشكل التقرير أساسا للنقاش بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إليها أستراليا، وليس مجرد عرض لأرقام السكان خلال العقود المقبلة.
تحد طويل الأمد للاقتصاد الأسترالي
يكشف التحذير الحكومي أن القضية الديموغرافية انتقلت من نطاق الدراسات المستقبلية إلى صلب التخطيط الاقتصادي والمالي في أستراليا.
فتراجع الخصوبة بصورة أسرع من المتوقع يعني أن البلاد قد تواجه قاعدة أضيق من العاملين ودافعي الضرائب، بالتزامن مع توسع حاجات الرعاية الصحية والاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الأسترالي يتجه بالضرورة إلى أزمة، لكنه يشير إلى أن المحافظة على النمو ومستوى الخدمات ستحتاج إلى سياسات أكثر كفاءة وقرارات مبكرة.
وسيكون على الحكومة الموازنة بين دعم الأسر وتحسين الإنتاجية وإدارة الهجرة وتطوير الخدمات العامة، مع ضمان توزيع الأعباء بصورة عادلة بين الأجيال.
وتضع الشيخوخة الديموغرافية في أستراليا البلاد أمام اختبار استراتيجي يمتد لعقود، إذ لن يتحدد نجاحها بحجم السكان وحده، بل بقدرتها على تمويل احتياجات المجتمع والحفاظ على اقتصاد منتج في ظل ارتفاع متوسط الأعمار وتباطؤ نمو القوى العاملة.








