هجر إمغري
وسعت مجموعة أكديطال حضورها في المملكة العربية السعودية، بعدما أتمت عملية الاستحواذ على حصة الأغلبية في رأس مال مستشفى البشري بمدينة مكة المكرمة، في خطوة تفتح أمام المجموعة المغربية مرحلة جديدة من التوسع خارج السوق الوطنية، وتضعها في قلب واحدة من أكثر المدن استقبالا للزوار والمرضى على مدار العام.
وأطلقت المجموعة، عقب إتمام الصفقة، الهوية الجديدة للمنشأة تحت اسم “أكديطال مكة المكرمة”، لتنتقل بذلك العملية من مرحلة الاتفاق والتخطيط إلى مرحلة التشغيل الفعلي. ويأتي هذا التحول بعد استكمال مختلف الشروط التنظيمية والتشغيلية المرتبطة بالصفقة التي جرى الاتفاق بشأنها في دجنبر 2025.
وتعكس هذه الخطوة توجها واضحا لدى أكديطال نحو توسيع نطاق نشاطها في قطاع الرعاية الصحية، والاستفادة من خبرتها في تطوير المؤسسات الاستشفائية متعددة التخصصات. كما تمنح المجموعة موطئ قدم في السوق السعودية، التي تعرف توسعا متواصلا في البنية الصحية وارتفاعا في الطلب على الخدمات الطبية، خصوصا في مدينة مكة المكرمة.
ويرتبط المشروع كذلك بخصوصية المدينة المقدسة، التي لا تقتصر حاجاتها الصحية على السكان المقيمين، بل تشمل ملايين المعتمرين والحجاج الذين يتوافدون عليها من مختلف أنحاء العالم خلال فترات متباينة من السنة. لذلك، تراهن المجموعة على تطوير منشأة قادرة على التعامل مع احتياجات صحية متنوعة، مع الحفاظ على جاهزية مرتفعة خلال الفترات التي تعرف ارتفاعا كبيرا في أعداد الزوار.
وتعتزم أكديطال، بالتوازي مع دخولها مرحلة التشغيل، تنفيذ برنامج استثماري يستهدف تحديث المستشفى وتطوير بنيته التحتية وتجهيزاته الطبية. ومن المنتظر أن ترتفع الطاقة الاستيعابية للمؤسسة بعد استكمال الأشغال إلى 126 سريرا، مقابل 120 سريرا في وضعها السابق، بما يعكس رغبة المجموعة في توسيع قدرة المنشأة على استقبال المرضى وتقديم خدمات طبية متعددة.
إقرأ أيضا: رحلات-الحجاج-المغاربة-تتجه-مباشرة-إلى مكة
وتشمل عملية التطوير إعادة تأهيل المنظومة التقنية والطبية، إلى جانب إعادة تنظيم مسارات استقبال المرضى والتكفل بهم، بهدف تحسين تدفق الخدمات ورفع الكفاءة التشغيلية. كما تمتد الاستثمارات إلى أقسام حيوية، في مقدمتها الطوارئ والعناية المركزة وأمراض القلب والجراحة، فضلا عن خدمات النساء والتوليد ورعاية الأمهات والأطفال وحديثي الولادة.
وتضم المنشأة، ضمن التصور الجديد، مجموعة من الوحدات المتخصصة في طب الطوارئ، إلى جانب تجهيزات مخصصة للإنعاش والعناية المركزة. كما تشمل البنية المرتقبة أسرة للعناية المركزة الخاصة بأمراض القلب، وأخرى لإنعاش حديثي الولادة، إضافة إلى أسرة مخصصة للحضانة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الخدمات التي تستهدف المنشأة تقديمها.
وتتجه الخطة كذلك إلى تعزيز الإمكانات الجراحية للمستشفى من خلال سبع غرف عمليات رئيسية، إلى جانب غرفة مخصصة لطب التوليد، فضلا عن غرفة للتنظير الداخلي وأربع غرف للولادة. وستدعم هذه التجهيزات منصة متكاملة للتصوير الطبي ومختبر للتحاليل الطبية، بما يسمح بتوفير عدد من الخدمات داخل المؤسسة نفسها وتقليص الحاجة إلى نقل المرضى بين منشآت مختلفة.
ويستعد “أكديطال مكة المكرمة” لتقديم خدمات في مجموعة واسعة من التخصصات، تشمل أمراض القلب والقلب التداخلي والجراحة العامة والعناية المركزة والإنعاش وأمراض النساء والتوليد وطب حديثي الولادة وطب الطوارئ والتصوير الطبي. ويعني هذا التنوع أن المشروع لا يقوم فقط على رفع عدد الأسرة، وإنما يستند أيضا إلى توسيع طبيعة الخدمات التي يمكن أن تقدمها المنشأة.
وتكتسب هذه التوسعة أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة الطلب الصحي في مكة المكرمة، حيث تتداخل احتياجات السكان الدائمة مع التدفقات الموسمية والمستمرة للمعتمرين والحجاج. ويجعل هذا الواقع من سرعة الاستجابة للطوارئ وتوفر خدمات الرعاية الحرجة والتخصصات الطبية الأساسية عناصر أساسية في عمل المؤسسات الصحية الموجودة داخل المدينة.
وتشير المعطيات المرتبطة بحركة الزوار إلى أن المملكة العربية السعودية استقبلت خلال سنة 2025 أكثر من 18 مليون حاج ومعتمر من خارج البلاد، في وقت تستهدف فيه المملكة الوصول إلى 30 مليون زائر سنويا بحلول سنة 2030. ويضع هذا النمو المتوقع المؤسسات الصحية أمام تحديات مرتبطة بارتفاع الطلب وتنوع الحالات الطبية، خصوصا خلال المواسم التي تعرف اكتظاظا كبيرا.
وفي هذا السياق، تراهن أكديطال على توظيف تجربتها في إدارة المؤسسات الاستشفائية وتطوير الخدمات الطبية لتقديم نموذج قادر على مواكبة خصوصية السوق المحلية. كما تسعى إلى الجمع بين البنية التحتية الحديثة وتعدد التخصصات والجاهزية التشغيلية، مع تطوير الكفاءات والموارد البشرية داخل المنشأة.
ويمثل دخول المجموعة المغربية إلى مكة المكرمة أيضا امتدادا لمسار توسع بدأ داخل المغرب عبر بناء شبكة واسعة من المؤسسات الصحية. فقد أصبحت أكديطال تدير عشرات المنشآت الطبية في مدن مغربية مختلفة، بطاقة استيعابية تصل إلى 4864 سريرا، فيما يشتغل ضمن المجموعة أكثر من عشرة آلاف موظف ومتعاون.
ويبرز هذا الانتشار حجم التحول الذي عرفته المجموعة خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد إدراجها في بورصة الدار البيضاء سنة 2022. ومن خلال دخول السوق السعودية، تنتقل استراتيجية التوسع إلى مستوى إقليمي جديد، حيث تراهن المجموعة على نقل خبرتها في مجال إدارة المؤسسات الصحية إلى بيئة مختلفة من حيث حجم الطلب وطبيعة المرضى وتدفقات الزوار.
وتأتي خطوة مكة المكرمة في وقت يشهد فيه القطاع الصحي السعودي تحولات واسعة مرتبطة بتطوير البنية التحتية وتعزيز جودة الخدمات ورفع الطاقة الاستيعابية. كما تنسجم الاستثمارات الصحية مع الأهداف التنموية التي تضعها المملكة ضمن رؤية 2030، خصوصا في ما يتعلق بتطوير الخدمات المقدمة للسكان والزوار.
وتمنح هذه المعطيات لمشروع “أكديطال مكة المكرمة” بعدا يتجاوز مجرد الاستحواذ على مؤسسة صحية قائمة، إذ يرتبط المشروع بإعادة تطوير منشأة قائمة وتوسيع قدراتها وتجهيزاتها وخدماتها لتواكب الطلب المتزايد. كما يفتح المجال أمام المجموعة المغربية لتطوير حضورها في السوق السعودية والاستفادة من فرص جديدة في قطاع الرعاية الصحية.
وتستهدف المجموعة، من خلال هذا الاستثمار، خدمة سكان مكة المكرمة وضيوف الرحمن، مع تطوير مستوى الخدمات الطبية المقدمة داخل المنشأة. وفي الوقت نفسه، تراهن على نقل الخبرات وتطوير الكفاءات المحلية وتعزيز جودة الممارسة الصحية، بما يجعل المشروع جزءا من مسار توسع مؤسساتي يجمع بين الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في الموارد البشرية والخدمات الطبية.
ويكشف الانتقال من “مستشفى البشري” إلى “أكديطال مكة المكرمة” عن مرحلة جديدة في مسار المجموعة، عنوانها توسيع نطاق النشاط وتطوير نموذجها الاستشفائي خارج المغرب. ومع بدء تنفيذ برنامج تحديث المنشأة، ستتجه الأنظار إلى مدى قدرة المشروع على تحويل الاستثمارات المعلنة إلى خدمات طبية متقدمة تستجيب للخصوصية الكبيرة التي تتميز بها مكة المكرمة.
وبذلك، تضع أكديطال تجربتها المغربية أمام اختبار جديد داخل السوق السعودية، في مدينة ذات خصوصية دينية وسكانية وصحية استثنائية. وبين توسيع الطاقة الاستيعابية وتطوير الأقسام الطبية وتعزيز خدمات الطوارئ والرعاية الحرجة، تسعى المجموعة إلى بناء حضور مستدام في مكة المكرمة، مستفيدة من موقع المنشأة ومن الطلب المتزايد على الخدمات الصحية.







