كوثر بوجوال
تسجيل صوتي لاستمالة الناخبين قاد إلى وضع أحد الأشخاص تحت تدبير الحراسة النظرية بمدينة الجديدة، ضمن بحث قضائي يهدف إلى التحقق من حقيقة مضمون تسجيل مسرب والوقوف على ظروف إعداده وتداوله بالتزامن مع الحملة الانتخابية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026.
وأمر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالجديدة، الاثنين 21 شتنبر، باتخاذ هذا الإجراء في حق المشتبه فيه، بعدما دخلت المصالح المختصة على خط تسجيل صوتي متداول يتضمن حديثا يشتبه في ارتباطه بمحاولة التأثير في اختيارات ناخبين.
ويأتي التطور الجديد بعد يومين من إعلان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات فتح بحث قضائي بشأن شريط صوتي جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويحمل مضامين من شأنها المساس بصورة العملية الانتخابية ونزاهتها.
ولا يعني وضع المعني بالأمر تحت الحراسة النظرية ثبوت الأفعال المنسوبة إليه، إذ يظل مجرد مشتبه فيه إلى حين انتهاء التحقيقات واتخاذ النيابة العامة قرارها على ضوء نتائج البحث، مع تمتعه بكامل الضمانات القانونية وقرينة البراءة.
تسجيل صوتي لاستمالة الناخبين
بدأت القضية عقب انتشار تسجيل صوتي على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تضمن مضامين فسرت على أنها محاولة محتملة لاستمالة ناخبين والتأثير في إرادتهم خلال الانتخابات التشريعية.
وأثار التسجيل ردود فعل متباينة، خاصة أنه ظهر خلال الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، حين تبلغ المنافسة بين المرشحين واللوائح ذروتها وتصبح الادعاءات المرتبطة باستعمال المال أو تقديم المنافع محط اهتمام الرأي العام والسلطات المكلفة بضمان سلامة الاقتراع.
ولم تكشف المعطيات الرسمية المتاحة حتى الآن عن هوية الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، أو صفته السياسية والمهنية، أو طبيعة علاقته بالأصوات الواردة في التسجيل.
كما لم يعلن عما إذا كان المعني بالأمر هو أحد المتحدثين في الشريط، أو شخصا يشتبه في مشاركته في تسجيله أو تسريبه أو تداول مضمونه، ما يفرض تجنب ربط القضية بأي جهة سياسية قبل صدور نتائج رسمية.
وتبقى عبارة «شراء الأصوات» توصيفا متداولا إعلاميا، بينما تتحدث المعطيات المؤكدة عن بحث في تسجيل يتعلق بمحاولة مفترضة لاستمالة ناخبين. ويظل تحديد طبيعة الأفعال وتكييفها القانوني من اختصاص النيابة العامة والقضاء، بناء على القرائن التي ستجمعها المصالح المكلفة بالتحقيق.
الحراسة النظرية لا تعني الإدانة
يشكل وضع المشتبه فيه تحت الحراسة النظرية إجراء قانونيا يتيح للمحققين الاستماع إليه وإجراء الأبحاث الضرورية تحت إشراف النيابة العامة، ولا يمثل حكما بإدانته أو دليلا نهائيا على صحة الاتهامات المتداولة.
وينتظر أن تركز التحقيقات على تحديد هوية المتحدثين الواردة أصواتهم في التسجيل، والتأكد من عدم تعرض المقطع للتقطيع أو التركيب أو التعديل، إلى جانب فحص السياق الكامل للمحادثة والظروف التي جرى فيها تسجيلها.
كما يمكن أن تشمل التحريات الهواتف والأجهزة والبيانات الرقمية ذات الصلة، وفق المساطر القانونية، بغرض تحديد مصدر التسجيل وتاريخ إنجازه ومسار انتقاله بين الأشخاص والمنصات.
وتكتسي الخبرة التقنية أهمية أساسية في مثل هذه القضايا، لأن المقاطع الصوتية المتداولة عبر الإنترنت قد تكون ناقصة أو مجتزأة من سياقها، كما يمكن أن تخضع للتعديل أو التركيب باستخدام أدوات رقمية متطورة.
ولا يكفي انتشار تسجيل على مواقع التواصل الاجتماعي لاعتباره دليلا قضائيا قائما بذاته، إذ يتعين التحقق من أصله وسلامته التقنية وهوية الأشخاص الواردة أصواتهم فيه، فضلا عن جمع قرائن أخرى تعزز أو تنفي مضمونه.
بحث قضائي بدأ من سطات
كان الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات قد أعلن، السبت 19 شتنبر، فتح بحث قضائي للكشف عن ظروف وملابسات تسجيل الشريط الصوتي وتسريبه وتداوله، والتحقق من حقيقة ما ورد فيه.
وعهد بإجراء البحث إلى المصالح المختصة، مع تكليفها بالتثبت من الأفعال التي قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون، وذلك في إطار الصلاحيات المخولة للنيابة العامة لحماية نزاهة العملية الانتخابية.
ويشير انتقال البحث إلى وضع شخص تحت الحراسة النظرية بالجديدة إلى تقدم التحقيقات الأولية ووصولها إلى مشتبه فيه ترى النيابة العامة ضرورة إخضاعه لإجراءات البحث، دون أن يعني ذلك حسم المسؤوليات أو انتهاء التحريات.
ولا يستبعد أن تقود الأبحاث إلى الاستماع إلى أشخاص آخرين، سواء بصفتهم مشتبه فيهم أو شهودا، خاصة إذا كشفت الخبرات التقنية أو إفادات المعنيين عن وجود أطراف إضافية مرتبطة بتسجيل المقطع أو مضمونه أو تداوله.
كما يتعين على المحققين التمييز بين الأفعال المحتمل ارتباطها باستمالة الناخبين وبين واقعة تسجيل المحادثة وتسريبها، لأن كل جانب يثير أسئلة قانونية وتقنية مستقلة تستوجب التحقق.
القانون يمنع التأثير في إرادة الناخبين
أحاط القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، بعد تعديله بالقانون التنظيمي رقم 53.25، العملية الانتخابية بمجموعة من الضوابط الرامية إلى حماية حرية التصويت وضمان تكافؤ الفرص بين المرشحين.
وتحظر المقتضيات القانونية الحصول أو محاولة الحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات النقدية أو العينية أو الوعود أو الوظائف أو المنافع، سواء تمت المحاولة مباشرة أو بواسطة الغير.
ويمتد الحظر كذلك إلى استعمال هذه الوسائل لحمل ناخبين على الامتناع عن التصويت، أو تقديم هدايا وتبرعات ووعود بهدف التأثير في تصويت مجموعة من المواطنين خلال الحملة الانتخابية.
غير أن تطبيق هذه المقتضيات على القضية الحالية يبقى رهينا بما ستثبته التحقيقات، إذ لا يمكن الجزم بوقوع جريمة انتخابية انطلاقا من تسجيل متداول قبل استكمال التحقق من صحته وسياقه وتحديد الأشخاص المعنيين به.
وإذا أثبت البحث وجود أفعال تشكل محاولة للتأثير غير المشروع في إرادة الناخبين، فإن الملف قد يرتب متابعات جنائية وتداعيات انتخابية، وفقا لطبيعة الأفعال وصفة مرتكبيها ومدى ارتباطها بمرشحين أو وسطاء.
أما إذا أظهرت الخبرة أن التسجيل تعرض للتلاعب أو أخرج من سياقه، فقد تتجه التحقيقات نحو تحديد المسؤوليات المرتبطة بصناعته أو تسريبه أو استعماله للإضرار بأشخاص أو جهات خلال المنافسة الانتخابية.
توقيت حساس قبل اقتراع 23 شتنبر
تزامنت القضية مع الساعات الأخيرة من الحملة الانتخابية التي تسبق اقتراع الأربعاء 23 شتنبر، وهو ما منح التسجيل انتشارا واسعا وحساسية سياسية مضاعفة.
وتزداد خطورة مثل هذه التسجيلات خلال الحملات الانتخابية، لأنها قد تؤثر في صورة المرشحين واللوائح قبل التحقق القضائي من صحتها، بينما يصعب أحيانا تصحيح الأثر الذي تتركه في الرأي العام بعد انتشارها على نطاق واسع.
وفي المقابل، تفرض خطورة الادعاءات المرتبطة باستعمال المال لاستمالة الناخبين تحركا سريعا من السلطات، حتى لا تتحول مواقع التواصل إلى فضاء لتداول شبهات دون بحث أو مساءلة.
ويحقق تدخل النيابة العامة توازنا بين ضرورة حماية العملية الانتخابية من أي ممارسات غير مشروعة، وواجب ضمان حقوق الأشخاص الواردة أسماؤهم أو أصواتهم في التسجيل وعدم إدانتهم إعلاميا قبل انتهاء التحقيق.
وتقع كذلك مسؤولية على وسائل الإعلام في تجنب نشر هوية المشتبه فيهم أو ربط التسجيل بأحزاب ومرشحين دون سند رسمي، لأن السباق إلى تداول المعلومات غير المؤكدة قد يمس بحقوق الأفراد وبنزاهة المنافسة نفسها.
التحقيق يحسم حقيقة التسجيل
تتمثل المهمة الأساسية للبحث في الانتقال من مضمون متداول على مواقع التواصل إلى أدلة قابلة للفحص القضائي، وهو ما يقتضي تحديد النسخة الأصلية من التسجيل وسياقه وتاريخ إنجازه والأجهزة المستخدمة فيه.
وسيكون على المحققين التحقق من وجود مقابل مالي أو منفعة أو وعد محدد، ومدى ارتباط الحديث الوارد في التسجيل بتوجيه تصويت ناخبين نحو مرشح أو لائحة بعينها.
كما يتعين تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بمحاولة فعلية شرع في تنفيذها، أو حديث لم يتحول إلى أفعال ميدانية، أو تسجيل مجتزأ لا يعكس السياق الكامل للمحادثة.
ولا تزال هوية جميع المتدخلين وطبيعة المسؤوليات المحتملة غير معلنة، فيما يبقى الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية متمتعا بقرينة البراءة إلى أن يقول القضاء كلمته النهائية.
ومن المنتظر أن تكشف نتائج البحث ما إذا كان تسجيل صوتي لاستمالة الناخبين يوثق أفعالا انتخابية مخالفة للقانون، أم أن الأمر يتعلق بمقطع جرى توظيفه خارج سياقه، مع ترتيب المسؤوليات القانونية في الحالتين حماية لنزاهة الاقتراع وحقوق جميع الأطراف.








