منال الهداوي
سلطت مداخلات قدمها عدد من الأكاديميين والباحثين والفاعلين الدوليين أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الضوء على التحولات التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمغرب، في ظل مشاريع استثمارية وبنيات تحتية تستهدف تعزيز النشاط الاقتصادي وتوسيع فرص الربط التجاري مع إفريقيا والأسواق الدولية. وتركزت هذه المداخلات على أهمية المشاريع الكبرى التي يجري إنجازها في المنطقة، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه في دعم التنمية المحلية وتحسين الخدمات العمومية وفتح آفاق جديدة أمام السكان، ولا سيما فئة الشباب.
وتبرز هذه النقاشات في سياق الاهتمام المتزايد بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لمشاريع التنمية بالأقاليم الجنوبية، حيث أصبحت البنيات التحتية للنقل والطاقة والموانئ من بين الملفات التي تحظى بحضور بارز في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة وموقعها ضمن المبادلات التجارية الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، اعتبر الأكاديمي الإسباني روبرت مونزونيس غوميز أن الاستقرار الذي تعرفه الأقاليم الجنوبية يشكل عاملا مساعدا على تطوير الاستثمارات وتعزيز البنيات التحتية وتحسين الخدمات العمومية، بما يوفر ظروفا أكثر ملاءمة للنشاط الاقتصادي. وأشار إلى أن تطوير هذه المقومات يمكن أن يسهم في توسيع الفرص المتاحة أمام المقاولات والمستثمرين، فضلا عن دعم الأنشطة الإنتاجية والخدماتية.
ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي في مقدمة المشاريع التي استأثرت باهتمام المتدخلين، بالنظر إلى الأدوار الاقتصادية والتجارية المنتظرة منه. ويستهدف هذا المشروع تعزيز القدرات اللوجستيكية للمنطقة وتطوير موقعها ضمن حركة النقل البحري، مع توفير إمكانات إضافية لتسهيل المبادلات التجارية بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والأسواق العالمية.
ومن شأن هذه المنشأة، عند دخولها مرحلة الاستغلال، أن تفتح آفاقا أمام تطوير أنشطة مرتبطة بالنقل البحري والخدمات اللوجستيكية والتجارة والصناعة، فضلا عن دعم فرص الاستثمار في القطاعات التي تستفيد من القرب من الموانئ. كما يطرح المشروع إمكانات لتسهيل ولوج البلدان غير المطلة على البحر إلى المحيط الأطلسي، بما قد يساهم في تنويع مسارات التجارة وتعزيز الارتباط الاقتصادي بين عدد من الدول الإفريقية.
وفي السياق نفسه، أبدى الأستاذ الجامعي المكسيكي لويس ألفونسو راميريز كارييو اهتماما بمستوى التنمية وجودة الحياة في المنطقة، مشددا على أهمية ربط المشاريع الاقتصادية بالبعد الإنساني والاجتماعي. وأبرز أن بناء الطرق والمدارس والمستشفيات يمثل جزءا أساسيا من التنمية، إلى جانب احترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات المحلية وصيانة هويتها.
ويعيد هذا الطرح النقاش إلى ضرورة تقييم التنمية من خلال نتائجها الملموسة في الحياة اليومية للسكان، وليس فقط عبر حجم الاستثمارات أو عدد المشاريع المنجزة. فنجاح أي نموذج تنموي يرتبط أيضا بمدى قدرة البنيات التحتية الجديدة على تحسين الولوج إلى التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل مستقرة، وتوفير بيئة تساعد الشباب على اكتساب المهارات والانخراط في الأنشطة الاقتصادية.
وبالتوازي مع المشروع المينائي، حظي الطريق السريع تيزنيت-الداخلة باهتمام المتدخلين، باعتباره أحد المحاور الطرقية الرئيسية التي تستهدف تسهيل التنقل بين المدن والمناطق الجنوبية وتعزيز الربط مع باقي جهات المملكة. ويمتد هذا الطريق على مسافة تناهز 1055 كيلومترا، بما يجعله مشروعا ذا أهمية بالنسبة إلى حركة الأشخاص والبضائع وتطوير الأنشطة التجارية والخدماتية على امتداد مساره.
ويرى مدير نشر يومية «أوجوردوي-مالي»، بادارا أليوم هايدارا، أن هذه البنيات التحتية يمكن أن تعزز القدرات التجارية واللوجستيكية للأقاليم الجنوبية، وتدعم انفتاحها على محيطها الإفريقي. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات التي تواجهها بعض البلدان غير الساحلية في ما يتعلق بتكاليف النقل والوصول إلى الموانئ والأسواق الدولية، وهي تحديات يمكن أن تساهم مشاريع الربط الإقليمي في التخفيف من آثارها متى توفرت الشروط الاقتصادية واللوجستيكية المناسبة.
إقرأ أيضا : المغرب-وأمريكا-يطلقان-مشروع-أمونيا
ومن جهة أخرى، تشمل الأوراش التنموية التي جرى التطرق إليها مجالات الطاقات المتجددة والصناعة وتحلية مياه البحر والتعليم والتكوين. وتندرج هذه المشاريع ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلق سنة 2015 بغلاف مالي أولي تجاوز 77 مليار درهم، وفق المعطيات التي عرضها المتدخلون. ويهدف هذا التوجه إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية، وتطوير البنيات الأساسية، وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمارات، إلى جانب دعم التنمية الاجتماعية وتحسين ظروف العيش.
وفي هذا الصدد، سجل كارل غوستاف بيرتنيس أن الاستثمارات الموجهة إلى الأقاليم الجنوبية لا تقتصر على الطرق والموانئ، بل تشمل قطاعات يمكن أن تسهم في توسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص الشغل. وتبرز أهمية هذه المقاربة في ارتباط التنمية الاقتصادية بتوفير فرص حقيقية للشباب، سواء من خلال التوظيف المباشر أو عبر دعم المقاولات والأنشطة المحلية التي تستفيد من المشاريع الكبرى.
كما أشار ألفونس زوزيم تاميكامتا، من جامعة ياوندي بالكاميرون، إلى أن مشاريع من قبيل ميناء الداخلة والبنيات التحتية الطاقية وخطط الربط الإقليمي تعكس توجها نحو تعزيز المبادلات الاقتصادية بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا والساحل. ويطرح هذا التوجه إمكانات لتطوير الشراكات التجارية والاستثمارية، شريطة أن تواكبه آليات عملية لتيسير النقل وتبادل السلع والخدمات، وتطوير الكفاءات المحلية، وتعزيز التكامل بين الاقتصادات الإفريقية.
ومن جانبه، ربط الجامعي الإسباني رافائيل إسبارزا ماشين بين الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية وتوسع اهتمام عدد من الدول الأوروبية بالمنطقة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والقنصلية. وأبرز أن تشجيع المقاولات على دراسة فرص الاستثمار يمكن أن يفتح المجال أمام شراكات جديدة، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والخدمات والتجارة.
غير أن توسيع الاستثمارات يظل مرتبطا بمدى قدرة المشاريع على تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، من قبيل إحداث فرص الشغل، وتطوير المهارات، وتحسين الخدمات، وتعزيز استفادة المقاولات المحلية من سلاسل الإنتاج والتوريد. كما أن استدامة التنمية تستدعي مراعاة الجوانب البيئية وحسن تدبير الموارد الطبيعية والمائية، بما يضمن التوازن بين النمو الاقتصادي وحاجات السكان على المدى الطويل.
وفي المقابل، انتقلت المداخلات أمام اللجنة الرابعة إلى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في مخيمات تندوف، حيث أثار عدد من المتدخلين مخاوف بشأن ظروف عيش السكان، ولا سيما الأطفال والفئات الأكثر هشاشة. وتحدثت ماريلين ستانتون، ممثلة جمعية «World Changer Kids»، عن نقص في الأدوية المخصصة للأطفال ومخاطر سوء التغذية وفقر الدم، وهي قضايا تستدعي، بحسب ما طرح خلال المداخلات، اهتماما أكبر بضمان الرعاية الصحية ووصول المساعدات الإنسانية إلى المستفيدين.
كما أشار جواد الدقاقي، عضو غرفة الشباب الدولية، إلى ادعاءات تتعلق بوقوع اعتقالات تعسفية وتعذيب واختفاءات قسرية والتضييق على الحقوق والحريات داخل المخيمات. ودعا متدخلون إلى تحمل الجزائر مسؤولياتها باعتبارها البلد المضيف، وإلى مساءلة جبهة البوليساريو بشأن الانتهاكات المنسوبة إليها، مع التأكيد على ضرورة حماية حقوق السكان وتحسين ظروفهم الإنسانية.
وفي السياق ذاته، برزت مسألة إحصاء سكان مخيمات تندوف بوصفها أحد المطالب المطروحة لتحديد الاحتياجات الفعلية وضمان توجيه المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها. وأثارت النائبة البيروفية مارثا تشافيز كاسيو تساؤلات بشأن سبل التأكد من وصول هذه المساعدات إلى الفئات المعنية في ظل استمرار الخلاف حول تسجيل السكان. ويظل ضمان الشفافية في توزيع المساعدات وتوفير المعطيات الدقيقة من القضايا المهمة في تقييم الاحتياجات الإنسانية ومتابعة الاستجابة لها.
وتكشف المداخلات المقدمة في نيويورك عن تداخل الأبعاد التنموية والاقتصادية والإنسانية في النقاش المتعلق بالأقاليم الجنوبية. فالمشاريع الكبرى، وعلى رأسها ميناء الداخلة الأطلسي والطريق السريع تيزنيت-الداخلة، تطرح فرصا لتعزيز الربط التجاري وتوسيع الاستثمار، بينما يظل تحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص الشغل وصون الحقوق الإنسانية من العناصر الضرورية لتقييم الأثر الفعلي لهذه الدينامية.
وبين رهانات البنية التحتية وتطلعات السكان والتحديات المرتبطة بالتكامل الإقليمي، يتجه الاهتمام إلى مدى قدرة هذه المشاريع على تحويل الاستثمارات إلى نتائج ملموسة ومستدامة، تعزز التنمية المحلية وتوسع فرص التعاون الاقتصادي مع الدول الإفريقية والأسواق الدولية.







