إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

مجلة أݣورا للدراسات والأبحاث تفتح آفاقا جديدة للمعرفة

21:03 · 09/10/2026

منال الهداوي

تواصل مجلة أݣورا للدراسات والأبحاث حضورها في المشهد الأكاديمي بإصدار عددها الثالث الخاص بأكتوبر 2026، في خطوة تندرج ضمن الجهود الرامية إلى توسيع مجالات البحث العلمي وتعزيز النقاش حول التحولات التي يعرفها الإعلام والمجتمع. ويأتي هذا الإصدار حاملا مجموعة من الدراسات التي تتناول قضايا معاصرة تتقاطع فيها التكنولوجيا والثقافة والسياسة والعلوم الاجتماعية، بما يتيح للقراء والباحثين الاطلاع على مقاربات متعددة لظواهر أصبحت جزءا من الحياة اليومية.

ويعكس صدور العدد الجديد استمرار الاهتمام بتوفير فضاءات علمية تسمح بتبادل الأفكار ومناقشة القضايا التي تفرضها التحولات الاجتماعية والتواصلية. فمع التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد البحث في الإعلام والتواصل محصورا في دراسة وسائل نقل المعلومات، بل أصبح يمتد إلى فهم تأثير المحتوى الرقمي في السلوك الفردي والجماعي، وتحليل العلاقة بين التكنولوجيا والوعي المجتمعي، واستكشاف الأبعاد الثقافية والسياسية التي تصاحب انتشار المنصات الرقمية.

وفي هذا السياق، تتناول الدراسات المنشورة في العدد الثالث موضوعات متنوعة، من بينها دور المؤثرين في الحملات الانتخابية وعلاقتهم بالسلوك التصويتي لدى الشباب المغربي. ويكتسب هذا الموضوع أهمية بالنظر إلى التحولات التي عرفتها طرق تداول المعلومات السياسية، بعدما أصبحت المنصات الرقمية مجالا للتفاعل بين الفاعلين السياسيين والجمهور، ومصدرا لتشكيل المواقف وتبادل التصورات حول القضايا العامة.

كما تطرح هذه القضية أسئلة مرتبطة بطبيعة التأثير الذي تمارسه الشخصيات المعروفة على الإنترنت، وحدود العلاقة بين الانتشار الرقمي والاقتناع السياسي. فالتفاعل الواسع مع المحتوى لا يعني بالضرورة تبني مضمونه، كما أن حضور المؤثرين في النقاش العمومي يستدعي دراسة عوامل متعددة، من بينها مصداقية الرسائل، ومستوى الوعي الإعلامي، وقدرة الجمهور على التمييز بين المعلومات والآراء والمضامين الترويجية.

إقرأ أيضا : مجلة-تونسية-تسلط-الضوء-على-الانتهاكات

ومن جهة أخرى، يفتح العدد المجال أمام مناقشة أشكال التمثيل الذاتي وصناعة الظهور في الفضاء الرقمي، وهي موضوعات ترتبط بكيفية تقديم الأفراد لأنفسهم أمام الآخرين، واختيار الصور والمعلومات التي يرغبون في إبرازها عبر المنصات الاجتماعية. وأصبحت هذه الممارسات جزءا من أنماط التواصل المعاصرة، حيث تتداخل الحياة الشخصية مع المجال العام، وتتحول الصورة الرقمية إلى وسيلة للتعبير عن الهوية وبناء العلاقات الاجتماعية.

ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على الأفراد، بل تمتد إلى المؤسسات والفاعلين في مجالات الثقافة والإعلام والسياسة، إذ تفرض عليهم إعادة التفكير في أساليب التواصل مع الجمهور وفهم انتظاراته. ومن هذا المنطلق، تكتسب الدراسات التي تربط الممارسات الرقمية بالتحولات الاجتماعية أهمية في تفسير أنماط التفاعل الجديدة، بعيدا عن الأحكام العامة التي تختزل تأثير التكنولوجيا في جوانبها الإيجابية أو السلبية.

وفي امتداد لهذا التنوع، يحضر التراث الثقافي المادي واللامادي ضمن الموضوعات التي يتناولها العدد، بما يعيد النقاش حول سبل الحفاظ على الذاكرة الجماعية وتثمين الموروث الثقافي. فصيانة التراث لا ترتبط فقط بحماية المعالم والمواقع التاريخية أو توثيق العادات والتقاليد، وإنما تشمل أيضا البحث في طرق نقل المعرفة المرتبطة به إلى الأجيال الجديدة، وتعزيز حضوره في الحياة الثقافية والاجتماعية.

وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات التي تعرفها وسائل التوثيق والنشر والتعريف بالموروث المحلي، إذ تتيح الأدوات الرقمية إمكانات جديدة للتعريف بالعناصر الثقافية وتوسيع نطاق الوصول إليها. غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل مرتبطة بضرورة احترام خصوصية الموروث وسياقاته التاريخية والاجتماعية، وتجنب تقديمه في صور مختزلة لا تعكس تعدد دلالاته.

وفي المجال الفكري، يتطرق العدد إلى قضايا الزمن في الفلسفة الإسلامية الوسيطة، وهو موضوع يربط البحث في التراث الفلسفي بأسئلة المعرفة والتفكير الإنساني. ويتيح الاشتغال على هذه القضايا إعادة قراءة تصورات فلسفية تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة، وفهم طبيعة الأسئلة التي انشغلت بها، ومدى ارتباطها بالتطورات الفكرية التي عرفتها المجتمعات في مراحل متعاقبة.

كذلك يحضر التواصل المؤسساتي في سياق الجهوية المتقدمة ضمن الموضوعات المطروحة، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه التواصل في توضيح السياسات العمومية وتقريب المؤسسات من المواطنين. فنجاح التواصل المؤسساتي لا يرتبط فقط بتوفير المعلومات، بل يتطلب أيضا وضوح الرسائل، واستمرارية الحوار، والقدرة على الاستجابة لانشغالات السكان، بما يعزز إمكانات المشاركة وفهم القرارات المرتبطة بالتنمية المحلية والجهوية.

وبالتوازي مع ذلك، يخصص العدد مساحة للتحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في البيئة الإعلامية، خصوصا في ما يتعلق بالتضليل الرقمي والتزييف العميق والتلاعب بالمحتوى. فقد أفرز التطور المتسارع للأدوات الرقمية إمكانات جديدة لإنتاج المواد الإعلامية ومعالجتها وتداولها، لكنه أوجد في المقابل تحديات تتصل بالتحقق من صحة الصور والتسجيلات والمعلومات المتداولة.

وتبرز هذه الإشكالات الحاجة إلى تطوير الممارسات المهنية وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، حتى يتمكن الجمهور من التعامل بوعي مع المحتوى الذي يصل إليه. كما تفرض التحولات نفسها على المؤسسات الإعلامية والباحثين، من خلال البحث عن آليات أكثر فاعلية للتحقق من المعلومات، ودراسة أثر التقنيات الحديثة في الثقة العامة وفي العلاقة بين وسائل الإعلام ومتلقيها.

ولا تنفصل هذه القضايا عن الرهان الأوسع المتمثل في بناء معرفة علمية تستند إلى التحليل المنهجي والتأصيل النظري والبحث الميداني. فتنوع الموضوعات وحده لا يكفي لتطوير النقاش الأكاديمي، ما لم يقترن بالصرامة في معالجة المعطيات، ووضوح المناهج، والانفتاح على الاختلاف في المقاربات والنتائج. ومن هنا، تبرز أهمية المجلات العلمية المحكمة باعتبارها فضاءات لتداول المعرفة ومناقشة الأفكار وإتاحة نتائج الأبحاث أمام المهتمين.

ويأتي العدد الثالث من مجلة أݣورا للدراسات والأبحاث ضمن المشروع العلمي الذي انطلق مع تأسيس مركز أݣورا للدراسات الإعلامية والاجتماعية والسياسية في مارس 2024. ويقوم هذا المشروع على الجمع بين البحث الأكاديمي والممارسة الإعلامية، مع الاهتمام بالتخصصات التي تتقاطع في دراسة الإنسان والمجتمع والتحولات التي تؤثر فيهما.

كما يعكس الانفتاح على النشر بلغات مختلفة توجها نحو توسيع دائرة التواصل الأكاديمي، وإتاحة فرص أكبر لتبادل التجارب والنتائج البحثية بين المهتمين بالتخصصات ذات الصلة. ويظل هذا التوجه مرتبطا بمدى قدرة المجلة على استقطاب أبحاث متنوعة، والمحافظة على معايير النشر العلمي، وتطوير حضورها داخل الأوساط البحثية.

وفي المحصلة، يقدم العدد الجديد صورة عن تعدد القضايا التي أصبحت تفرض نفسها على البحث في الإعلام والتواصل والعلوم الاجتماعية، من تأثير المنصات الرقمية إلى حماية التراث، ومن التواصل المؤسساتي إلى تحديات الذكاء الاصطناعي. وتبقى قيمة هذه المبادرات العلمية مرتبطة بما تتيحه من فرص لفهم التحولات الجارية، وفتح نقاشات تستند إلى المعرفة والتحليل، وتشجيع الباحثين على مقاربة القضايا المعاصرة بأساليب علمية تستحضر تعقيد الواقع وتعدد زوايا النظر إليه.