إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

احتجاجات فرنسا تشعل الغضب بعد إصابات خطيرة بين الطلاب

14:41 · 10/10/2026

منال الهداوي

تواجه فرنسا موجة متصاعدة من الجدل بشأن أساليب تدخل قوات الشرطة خلال الاحتجاجات الطلابية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من أسبوعين، بعدما أثارت إصابات خطيرة في صفوف عدد من الشباب والقاصرين تساؤلات واسعة حول حدود استخدام القوة الأمنية ومدى احترام قواعد التدخل خلال التجمعات الاحتجاجية. وتأتي هذه التطورات في سياق اجتماعي وسياسي متوتر، يتزايد فيه الاستياء من أداء الحكومة، بينما تتواصل التحقيقات القضائية والإدارية لتحديد المسؤوليات المرتبطة بالحوادث المسجلة.

وأعادت هذه الإصابات النقاش حول الوسائل التي تستخدمها الشرطة الفرنسية لتفريق المحتجين، خصوصا الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية المضيئة والغاز المسيل للدموع، وهي أدوات تثير مخاوف حقوقية بسبب قدرتها على إحداث أضرار جسدية خطيرة عندما تستخدم من مسافات قريبة أو في ظروف قد لا تتناسب مع طبيعة التهديدات القائمة.

وبرزت قضية فتى يبلغ من العمر 14 عاما، يدعى إيدن، باعتبارها واحدة من أبرز الوقائع التي سلطت الضوء على مخاطر التدخلات الأمنية خلال الاحتجاجات. فقد تعرض لإصابات بالغة على مستوى الفك والأسنان بعدما أصابته قنبلة غاز مسيل للدموع في وجهه خلال احتجاج شهدته منطقة سانت وان لومون الأسبوع الماضي، في حادث أعاد إلى الواجهة مسألة حماية القاصرين الموجودين بالقرب من مواقع الاضطرابات.

وبحسب الرواية التي قدمتها محامية أسرته، كان الفتى جالسا ويتصفح هاتفه على مسافة من مكان الاحتجاج، قبل أن يدخل في مواجهة مع أحد عناصر الشرطة. وتفيد هذه الرواية بأن التدخل تطور من احتكاك مباشر إلى استخدام الهراوة، قبل أن يطلق عنصر أمني آخر مقذوفا بواسطة قاذفة مخصصة لهذا النوع من القنابل، ما أدى إلى إصابة الفتى في وجهه.

وأثارت ملابسات الحادث استياء عائلة المصاب، التي تقدمت بشكوى تتعلق بالاشتباه في محاولة القتل، وفق ما أعلنته محاميتها. كما وجهت انتقادات إلى طريقة التعامل مع الفتى عقب إصابته، إذ قالت الأسرة إن الشرطي المعني تركه ملقى على الأرض دون الاتصال بخدمات الطوارئ. وفي المقابل، قدمت النيابة العامة رواية تشير إلى أن الشاب واجه عناصر الأمن، وأنهم حاولوا التصدي له، وهو ما يجعل نتائج التحقيقات المنتظرة عاملا أساسيا في تحديد المسؤوليات.

إقرأ أيضا : فرنسا-توقف-شرطيا-للاشتباه-في-التخطيط

وعلى المستوى القضائي، خضع الشرطي المعني لتحقيق رسمي للاشتباه في ارتكاب اعتداء أثناء أداء مهامه، مع احتمال التسبب في عاهة مستديمة أو تشويه. ويعكس هذا الإجراء انتقال القضية من دائرة الجدل العام إلى مسار قانوني يسعى إلى فحص ظروف استعمال القوة، وتحديد مدى توافق التدخل مع القواعد المنظمة لعمل الشرطة.

وفي سياق متصل، كشفت معطيات مرتبطة بالاحتجاجات عن تسجيل عشرات الإصابات التي يُشتبه في ارتباطها باستخدام القوة الأمنية. وشملت هذه الحالات إصابات ناجمة عن الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية المضيئة والغاز المسيل للدموع والهراوات، إضافة إلى تدخلات نفذتها وحدات شرطية على ظهور الخيل. كما فتحت المفتشية العامة للشرطة الوطنية تحقيقات في 24 قضية تتعلق بظروف التعامل الأمني مع الاضطرابات.

وتزداد خطورة هذه المعطيات بالنظر إلى طبيعة بعض الإصابات المسجلة، إذ تعرض شخصان لإصابات على مستوى العين بسبب الرصاص المطاطي، انتهت إحداهما بفقدان العين. وتسلط هذه الحالات الضوء على العواقب التي قد تترتب على استخدام المقذوفات الأقل فتكا، والتي لا يعني تصنيفها كذلك أنها خالية من المخاطر، خصوصا عندما تصيب مناطق حساسة من الجسم.

كما أثار إعلان وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عن فقدان فتى يبلغ 15 عاما يده في مدينة لونس، في حادث يرجح ارتباطه بقنبلة صوتية مضيئة، موجة جديدة من التساؤلات حول سلامة هذه الوسائل. ودفع الحادث السلطات إلى تعليق استخدام هذا النوع من القنابل مؤقتا، في انتظار اتضاح الظروف المحيطة بالإصابة وتقييم المخاطر المرتبطة باستعمالها خلال عمليات حفظ النظام.

ولم تقتصر المخاوف على حالة إيدن أو الحوادث التي انتهت بإصابات دائمة، إذ سجلت أيضا واقعة إصابة طالب يبلغ 16 عاما في عينه اليسرى بضاحية أرجنتوي القريبة من باريس. وكان الطالب في طريق عودته إلى منزله بعدما وجد مدرسته مغلقة، قبل أن يتعرض للإصابة التي أثارت مخاوف من احتمال تضرر بصره بصورة دائمة.

غير أن تفاصيل هذه الواقعة لا تزال محل خلاف، بعدما أشارت النيابة العامة، استنادا إلى رواية الشرطة، إلى احتمال أن يكون الطالب أحد شابين أطلقا ألعابا نارية باتجاه عناصر الأمن، الذين ردوا باستخدام الرصاص المطاطي. ويؤكد تضارب الروايات أهمية إجراء تحقيقات مستقلة ودقيقة، تتيح الاستماع إلى الشهود وفحص الأدلة المتاحة وتحديد تسلسل الأحداث قبل استخلاص أي نتائج نهائية.

وفي مواجهة الانتقادات، دافع وزير الداخلية الفرنسي عن أداء قوات الأمن، مؤكدا أن حماية تلاميذ المدارس الثانوية تظل من أولويات الشرطة. وأشار إلى إصابة نحو 200 طالب خلال الاحتجاجات، معتبرا أن الإصابات الناتجة عن تدخلات الشرطة تمثل نسبة محدودة منها. ويعكس هذا الموقف تمسك السلطات بضرورة الحفاظ على النظام العام، في وقت تتزايد فيه المطالب بتوضيح الظروف التي استخدمت فيها القوة ضد بعض المشاركين في الاحتجاجات.

وفي المقابل، أعلنت السلطات إصابة نحو 700 عنصر من الشرطة خلال الاضطرابات، إلى جانب تسجيل حوادث حرق ونهب طالت مدارس، واعتداءات استهدفت مدرسين وأفرادا من الجمهور. كما بلغ عدد الموقوفين 6877 شخصا، معظمهم من القاصرين، وهو رقم يعكس اتساع نطاق المواجهات وحجم الضغط الذي تواجهه الأجهزة الأمنية في التعامل مع هذه الأحداث.

ودافع ممثل إحدى النقابات الشرطية عن أساليب تدخل القوات الأمنية، معتبرا أن الإصابات الخطيرة تمثل مآسي إنسانية، لكنها لا تبرر التشكيك في مجمل الوسائل التي تعتمدها الشرطة. وشدد على أن بعض المشاركين في الاضطرابات يمارسون أعمال عنف تشكل خطرا على العناصر الأمنية وعلى المحيطين بمواقع الاحتجاج، في موقف يعكس وجهة نظر النقابات التي تطالب بمراعاة الظروف الصعبة التي تعمل فيها قوات حفظ النظام.

ومع ذلك، فإن الجدل لا يتعلق فقط بمبررات التدخل الأمني، بل يمتد إلى مدى تناسب القوة المستخدمة مع طبيعة الخطر، والضمانات المتاحة لحماية القاصرين والمارة، وفعالية آليات المحاسبة عندما تسجل إصابات خطيرة. فالحفاظ على الأمن العام يظل مسؤولية أساسية للدولة، غير أن ممارسته تقتضي احترام القانون والتحقق من أي ادعاءات تتعلق بتجاوزات محتملة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الانتقادات السابقة التي وجهتها منظمات حقوقية وخبراء تابعون للأمم المتحدة إلى بعض أدوات تفريق المظاهرات، بسبب مخاطرها واحتمال استخدامها بصورة غير متناسبة. ويعيد تجدد الإصابات النقاش بشأن ضرورة مراجعة بروتوكولات التدخل، وتعزيز تدريب العناصر الأمنية، وضمان تقديم الإسعافات اللازمة للمصابين دون تأخير.

وتأتي هذه التطورات بينما تعيش فرنسا حالة من التوتر الاجتماعي والسياسي، مع تصاعد الاستياء من الحكومة والرئيس إيمانويل ماكرون قبيل انتخابات عام 2027. وقد ساهمت الإصابات المسجلة في تعزيز الغضب الشعبي وإعادة تسليط الضوء على مطالب الحركة الاحتجاجية الطلابية، التي باتت تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في استمرار الاحتجاجات وتداعيات المواجهات مع الشرطة.

وفي انتظار نتائج التحقيقات، تظل الأسئلة الأساسية مرتبطة بكيفية وقوع الإصابات، ومدى احترام قواعد استخدام القوة، والمسؤوليات الفردية والمؤسساتية التي قد تكشف عنها الإجراءات القضائية. وبين ضرورة حماية الأمن العام وصون الحق في الاحتجاج السلمي، تبدو قدرة السلطات الفرنسية على تقديم إجابات واضحة وضمان المساءلة عاملا حاسما في احتواء الغضب واستعادة الثقة في المؤسسات.