منال الهداوي
اقترحت إيرلندا تقليص الميزانية الأوروبية للفترة الممتدة بين عامي 2028 و2034 بمقدار 141 مليار يورو، في خطوة تهدف إلى تقريب وجهات النظر بين الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي، وإنهاء الخلافات المتصاعدة بشأن حجم الإنفاق المالي خلال السنوات المقبلة. ويأتي هذا المقترح في وقت تتزايد فيه الضغوط على الحكومات الأوروبية للموازنة بين ضبط النفقات العامة وتوفير التمويل اللازم لدعم الاقتصاد والزراعة والتنمية الإقليمية.
وتسعى الرئاسة الإيرلندية الدورية للاتحاد الأوروبي، من خلال هذه المبادرة، إلى تقديم صيغة مالية أكثر قابلية للتفاوض، خصوصا أن الميزانية المقبلة أصبحت واحدة من أبرز الملفات التي تكشف اختلاف الأولويات الاقتصادية بين الدول الأعضاء. وبينما تطالب مجموعة من الحكومات بتقليص الإنفاق، تتمسك دول أخرى بضرورة الحفاظ على الموارد المخصصة للقطاعات الحيوية، بما يضمن استمرار برامج الدعم ومواجهة التحديات الاقتصادية الدولية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع اقتراب اجتماع قادة الدول السبع والعشرين في بروكسل، حيث يرتقب أن تتواصل المشاورات بشأن مستقبل الميزانية الأوروبية، وسط رغبة إيرلندية في التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام، وتفادي استمرار المفاوضات إلى سنة 2027، بما قد يرافقها من تعقيدات سياسية وانتخابية تزيد من صعوبة الوصول إلى توافق مشترك.
وفي هذا السياق، تحاول إيرلندا بناء أرضية تفاوضية تستجيب، ولو جزئيا، لمطالب الدول التي ترى أن الميزانية المقترحة في صيغتها الأصلية تتجاوز قدرتها على المساهمة في التمويل. فقد اقتربت قيمة المشروع الأولي الذي قدمته المفوضية الأوروبية من تريليوني يورو، وهو حجم أثار اعتراضات عدد من الحكومات التي تدعو إلى اعتماد سياسة مالية أكثر تحفظا.
وتقود ألمانيا هذا التوجه إلى جانب النمسا والدنمارك وفنلندا وهولندا والسويد، إذ تطالب هذه الدول بخفض النفقات الأوروبية بمئات مليارات اليورو، معتبرة أن زيادة المساهمات المالية ينبغي أن تراعي الأوضاع الاقتصادية والالتزامات الداخلية لكل دولة. وتربط هذه الحكومات موقفها بالحاجة إلى مواصلة ضبط المالية العامة، وعدم تحميل الميزانيات الوطنية أعباء إضافية في ظل التحديات التي تواجه الاقتصادات الأوروبية.
إقرأ أيضا : وهبي-يوسع-تحركاته-الأوروبية-لحسم
وبحسب المقترح الإيرلندي الجديد، الذي جرى احتساب أرقامه على أساس أسعار سنة 2025، فإن الميزانية ستعرف انخفاضا إجماليا بنسبة ثمانية في المئة مقارنة بالتصور الأصلي للمفوضية الأوروبية. ومع ذلك، ستظل قيمتها أعلى بكثير من الميزانية السابقة، التي بلغت نحو 1.2 تريليون يورو، ما يعني أن الخلاف لا يتعلق فقط بمقدار التخفيض المقترح، بل يمتد أيضا إلى طبيعة الأولويات التي ينبغي أن تحكم توزيع الموارد الأوروبية.
وأكد وزير الشؤون الأوروبية الإيرلندي، توماس بيرن، أن المقترح الجديد يمكن أن يشكل قاعدة للنقاش بين الحكومات، معربا عن أمله في التوصل إلى اتفاق قبل عيد الميلاد. غير أن المسودة لا تلبي جميع المطالب المطروحة، وهو ما يجعل فرص التوافق مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات بشأن حجم الميزانية والقطاعات المستفيدة منها.
وفي المقابل، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس تحفظا على اعتبار المقترح أساسا كافيا للتوصل إلى اتفاق، مشيرا إلى أن المسافة بين مواقف الدول الأعضاء لا تزال واسعة. ويعكس هذا الموقف استمرار الخلاف حول حدود الإنفاق المشترك، خصوصا بين الحكومات التي تركز على تقليص المساهمات المالية وتلك التي تعتبر أن المرحلة المقبلة تتطلب استثمارات أوروبية أكبر.
ولا تتوقف التباينات عند الحجم الإجمالي للميزانية، بل تشمل كذلك توزيع التخفيضات بين القطاعات المختلفة. فقد تضمن التصور الإيرلندي تقليص مخصصات المساعدات الدولية بنسبة 17 في المئة، وخفض الإنفاق الموجه إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الأوروبي بنسبة 13 في المئة، إلى جانب تقليص نفقات إدارة مؤسسات الاتحاد بنسبة 12 في المئة.
وفي المقابل، تبدو الزراعة وصناديق التنمية الإقليمية أقل تأثرا بالتعديلات المقترحة، إذ لا تتجاوز التخفيضات المخصصة لهذين المجالين ثلاثة في المئة. ويأتي ذلك في ظل تحركات تقودها مجموعة تضم 17 دولة من جنوب أوروبا ووسطها وشرقها، تسعى إلى حماية التمويلات المرتبطة بسياسات التماسك والتنمية، باعتبارها أدوات مهمة لتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق الأوروبية.
وتبرز الزراعة في قلب هذا النقاش، بالنظر إلى دورها الاقتصادي والاجتماعي في عدد من الدول الأوروبية، فضلا عن ارتباطها بالأمن الغذائي واستقرار مداخيل المزارعين. كما تمثل صناديق التنمية الإقليمية آلية لتمويل المشاريع والبنيات التحتية والبرامج الرامية إلى دعم المناطق الأقل استفادة من النمو الاقتصادي، الأمر الذي يجعل تقليص مواردها قضية حساسة بالنسبة إلى الحكومات المستفيدة منها.
وعلى الضفة الأخرى، تدافع فرنسا عن ضرورة توفير تمويل كاف للزراعة وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الأوروبي، خصوصا في مواجهة المنافسة الأميركية والصينية. وترى باريس أن التحديات الاقتصادية الدولية تفرض الحفاظ على قدرة الاتحاد على الاستثمار والابتكار ودعم القطاعات الاستراتيجية، رغم الصعوبات التي تواجهها المالية العامة الفرنسية.
ويزداد النقاش تعقيدا بسبب اعتراض الدول الست المطالبة بالتقشف على الزيادة الكبيرة التي تضمنها المقترح الأصلي مقارنة بالميزانية السابقة، والتي تقارب 60 في المئة. وتعتبر هذه الدول أن رفع الإنفاق بهذا الحجم يصعب التوفيق بينه وبين السياسات الوطنية الرامية إلى الحد من العجز وضبط الدين العام، ما يدفعها إلى المطالبة بإعادة النظر في حجم الالتزامات المالية المستقبلية.
وتتداخل هذه الحسابات الاقتصادية مع اعتبارات سياسية داخلية، خاصة في ألمانيا وفرنسا. ففي ألمانيا، يواجه المستشار فريدريش ميرتس ضغوطا في سياق الصعود الانتخابي لحزب البديل من أجل ألمانيا، بينما تدعو مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، إلى تقليص مساهمة فرنسا في الميزانية الأوروبية في إطار مواقفها بشأن الدين العام والإنفاق الحكومي.
وللتخفيف من الأعباء المباشرة التي تتحملها الدول الأعضاء، تقترح المفوضية الأوروبية تنويع مصادر تمويل الميزانية من خلال استحداث موارد مالية جديدة، تشمل رسوما على الشركات الكبرى والنفايات الإلكترونية، إلى جانب زيادة الضرائب المفروضة على التبغ. ويهدف هذا التوجه إلى توفير مداخيل إضافية تساعد على تمويل البرامج الأوروبية دون الاعتماد حصريا على المساهمات الوطنية.
كما يدعو البرلمان الأوروبي إلى توسيع قاعدة هذه الموارد لتشمل شركات التكنولوجيا الرقمية العملاقة وأنشطة المقامرة عبر الإنترنت. وفي السياق نفسه، أوصت الرئاسة الإيرلندية برفع بعض الرسوم المقترحة، مع الإبقاء على التوجه العام لخطة المفوضية، التي تستهدف توفير نحو 55 مليار يورو سنويا من مصادر الإيرادات الجديدة.
وتعكس هذه المقترحات تحولا في النقاش بشأن تمويل الاتحاد الأوروبي، إذ لم يعد الخلاف مقتصرا على تحديد المبالغ التي ينبغي أن تدفعها الحكومات، بل أصبح يشمل أيضا البحث عن مصادر دخل إضافية وتوزيع المسؤولية المالية بصورة مختلفة. غير أن اعتماد هذه الإجراءات يظل مرتبطا بالمفاوضات السياسية ومدى قبول الدول والمؤسسات الأوروبية بالآليات الضريبية المقترحة.
وتبقى الميزانية الأوروبية للفترة 2028-2034 أمام مسار تفاوضي معقد، في ظل تباعد المواقف بشأن الإنفاق والأولويات القطاعية ومصادر التمويل. وبين رغبة بعض الحكومات في تقليص النفقات وتمسك أطراف أخرى بدعم الزراعة والتنمية والتنافسية، سيكون التحدي الأساسي هو التوصل إلى صيغة تضمن التوازن بين الانضباط المالي والحاجات الاقتصادية والاجتماعية للاتحاد.
ومع اقتراب موعد الاجتماعات الأوروبية المقبلة، تراهن الرئاسة الإيرلندية على أن يفتح مقترح خفض الميزانية بمقدار 141 مليار يورو المجال أمام تسوية مقبولة، غير أن تحقيق ذلك سيظل رهينا بقدرة الدول الأعضاء على تجاوز خلافاتها وتحديد أولويات مشتركة للسنوات المقبلة.







