اقتصاد

الصناعات الدفاعية في المغرب تفتح آفاقا جديدة للتصنيع والاستثمار

10:36 · 12/10/2026

منال الهداوي

تتجه الصناعات الدفاعية في المغرب نحو مرحلة جديدة من التطور، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم وتزايد الاهتمام بتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية المرتبطة بالأمن والدفاع. ولم يعد هذا القطاع مقتصرا على اقتناء المعدات والتجهيزات العسكرية من الخارج، بل أصبح التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير الخبرات الوطنية من بين التوجهات التي تسعى المملكة إلى ترسيخها خلال السنوات المقبلة.

ويأتي هذا التوجه في سياق دولي باتت فيه الصناعة الدفاعية عنصرا مهما في السياسات الأمنية والاقتصادية للدول، بالنظر إلى ارتباطها بالسيادة الوطنية والقدرة على الاستجابة للاحتياجات الاستراتيجية. كما يفتح تطوير هذا المجال أمام المغرب فرصا لتعزيز نسيجه الصناعي، والاستفادة من الاستثمارات الجديدة، وتوسيع قاعدة الكفاءات المتخصصة في التكنولوجيا والهندسة والصناعات المتقدمة.

وفي هذا الإطار، بدأت المملكة في وضع الأسس الأولى لبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، من خلال اعتماد تدابير قانونية وتنظيمية تستهدف تشجيع الاستثمار في تصنيع المعدات والتجهيزات المرتبطة بالدفاع والأمن. ويشكل القانون رقم 10.20، الذي جرى اعتماده سنة 2020، محطة مهمة في هذا المسار، بعدما أتاح إطارا قانونيا يسمح بمشاركة القطاع الخاص في أنشطة تصنيع العتاد الدفاعي والأمني والأسلحة والذخيرة، وفق الشروط والتراخيص المعمول بها.

ومن شأن هذا الإطار أن يساهم في توسيع دائرة الفاعلين الاقتصاديين المهتمين بالقطاع، عبر تشجيع الشركات على الاستثمار في أنشطة صناعية كانت تتطلب، في السابق، ترتيبات أكثر تعقيدا. كما يتيح تنظيم هذه الأنشطة ضمن ضوابط محددة تعزيز المراقبة والتأطير، بما ينسجم مع متطلبات الأمن الوطني والمعايير المرتبطة بهذا النوع من الصناعات.

وبالتوازي مع هذه الخطوات، يعمل المغرب على تهيئة فضاءات صناعية مخصصة لاستقبال المشاريع المرتبطة بالصناعات الدفاعية، في خطوة تستهدف توفير بيئة ملائمة للشركات المرخص لها. ويأتي إحداث منطقتين للتسريع الصناعي مخصصتين للدفاع ضمن هذا التوجه، من خلال شراكة تجمع بين مؤسسات وطنية معنية بالتجهيزات العسكرية وتدبير المناطق الصناعية.

إقرأ أيضا : المغرب-يعزز-قدراته-الدفاعية-بمنظومات

وتتيح هذه المناطق، من حيث المبدأ، توفير مواقع مجهزة للشركات الراغبة في تطوير أنشطتها داخل المغرب، مع الاستفادة من البنيات التحتية والخدمات الضرورية لإقامة المشاريع الصناعية. كما يمكن أن تسهم في تسهيل اندماج الاستثمارات الجديدة ضمن منظومة إنتاجية أكثر تنظيما، بما يعزز فرص التعاون بين المقاولات الوطنية والشركات الدولية المهتمة بالسوق المغربية.

ويستند هذا المسار كذلك إلى الخبرة التي راكمها المغرب في قطاعات صناعية متقدمة، خصوصا صناعة الطيران والسيارات، اللتين شهدتا خلال السنوات الماضية تطورا في مجالات الإنتاج والتجميع والتكوين التقني. ويمكن لهذه التجربة أن توفر قاعدة مهمة لتطوير بعض الأنشطة الدفاعية، بالنظر إلى ما تتطلبه من مهارات هندسية، ودقة في التصنيع، واحترام لمعايير الجودة والسلامة.

غير أن الانتقال من الخبرة الصناعية القائمة إلى بناء صناعة دفاعية متكاملة يظل مسارا يحتاج إلى استثمارات مستمرة، وتأهيل الموارد البشرية، وتطوير البحث العلمي، فضلا عن بناء شراكات تكنولوجية قادرة على نقل المعرفة وتعزيز القدرات المحلية. فامتلاك البنيات الصناعية وحده لا يكفي لتحقيق استقلالية واسعة في هذا المجال، ما لم يصاحبه تطوير تدريجي للخبرات الوطنية والقدرة على الابتكار والإنتاج.

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لتوسيع الصناعات الدفاعية أن يفتح المجال أمام فرص جديدة لخلق مناصب الشغل المتخصصة، وتحفيز المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج في سلاسل التوريد، خصوصا في المجالات المرتبطة بالمكونات الصناعية والخدمات التقنية والصيانة والهندسة. كما قد يساهم في استقطاب استثمارات جديدة، شريطة توفير بيئة تنافسية واضحة، وتكوين الكفاءات المطلوبة، وضمان استمرارية الطلب على المنتجات والخدمات الصناعية.

وعلاوة على ذلك، تكتسي الشراكات الدولية أهمية خاصة في هذه المرحلة، إذ يمكن أن تساعد على اكتساب الخبرات التقنية وتطوير قدرات الإنتاج المحلي. لكن نجاح هذه الشراكات يرتبط بمدى قدرتها على تجاوز عمليات التجميع البسيطة نحو نقل المعرفة وتطوير الكفاءات، بما يسمح للمقاولات المغربية بالمشاركة في مراحل أكثر تقدما من العملية الصناعية.

وفي المقابل، تبرز مجموعة من التحديات التي ستحدد وتيرة تطور القطاع، من بينها ارتفاع كلفة البحث والتطوير، والحاجة إلى تأهيل الكفاءات المتخصصة، ومتطلبات الجودة والاعتماد، فضلا عن ضرورة احترام القوانين الوطنية والالتزامات الدولية المرتبطة بالتجارة في المعدات الدفاعية. ويحتاج هذا المجال أيضا إلى رؤية طويلة الأمد توازن بين متطلبات الأمن والجدوى الاقتصادية، مع ضمان الشفافية في تدبير الاستثمارات والالتزام بالضوابط المنظمة للقطاع.

وبناء على ذلك، فإن تطور الصناعات الدفاعية في المغرب لا يرتبط فقط بإحداث مناطق صناعية جديدة أو استقطاب شركات متخصصة، بل يتوقف أيضا على قدرة المملكة على بناء منظومة متكاملة تجمع بين التصنيع والبحث والتكوين والابتكار. ويظل تطوير هذه العناصر أساسيا لتحويل المبادرات التنظيمية والاستثمارية إلى قدرات إنتاجية مستدامة.

ومع استمرار الجهود الرامية إلى تهيئة الإطار القانوني والصناعي، يفتح هذا المسار أمام المغرب إمكانات لتعزيز قاعدته الصناعية وتوسيع خبراته التكنولوجية. غير أن حجم النتائج التي يمكن تحقيقها سيظل مرتبطا بوتيرة تنفيذ المشاريع، وطبيعة الاستثمارات المستقطبة، ومدى تطور المحتوى المحلي في المنتجات الدفاعية خلال السنوات المقبلة.