سياسة

فرنسا تعود عسكرياً إلى تشاد بعد انسحابها من الساحل الإفريقي وماكرون يغير قواعد النفوذ

11:14 · 14/10/2026

كوثر بوجوال

تتحرك فرنسا لاستعادة حضورها العسكري في منطقة الساحل الإفريقي، انطلاقاً من تشاد التي شكلت لسنوات إحدى أبرز نقاط ارتكاز قواتها في القارة، قبل أن تنهي نجامينا اتفاقها الدفاعي مع باريس وتطالب بانسحاب القوات الفرنسية من أراضيها.

وتأتي عودة فرنسا العسكرية إلى تشاد هذه المرة بصيغة مختلفة عن الانتشار التقليدي، تقوم على إرسال فرق محدودة للتدريب، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتقديم الدعم التقني والعسكري، دون الإعلان عن إعادة إنشاء القواعد الدائمة التي فقدتها باريس خلال السنوات الأخيرة.

ويعكس هذا التحول محاولة فرنسية لإعادة بناء علاقاتها الأمنية في إفريقيا، بعد سلسلة من الانتكاسات التي أدت إلى انسحاب قواتها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، وسط تغير موازين النفوذ العسكري والسياسي في المنطقة.

وجاءت أحدث خطوات التقارب خلال استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره التشادي محمد إدريس ديبي، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، في قصر الإليزيه، في ثالث لقاء بين الرئيسين خلال أقل من عشرة أشهر.

وأسفرت الزيارة عن توقيع وزيري الدفاع في البلدين إعلان نوايا لإعادة تنظيم التعاون الدفاعي، يشمل التدريب والخبرة العسكرية والصناعات والتقنيات الدفاعية، فضلاً عن تطوير قدرات القوات المسلحة التشادية.

اقرأ أيضا: المغرب يوسع رهانه السياحي في فرنسا ويفتح وجهاته أمام أسواق جديدة

عودة فرنسا العسكرية إلى تشاد تبدأ بعشرين جندياً وخطط للتسليح

كشفت معلومات نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية عن مصادر عسكرية تشادية أن نحو عشرين عسكرياً فرنسياً يوجدون في تشاد منذ بداية الصيف، حيث يشاركون في تدريب وحدات محلية داخل مركزي موسورو ومساقط، شمال شرقي العاصمة نجامينا.

ويشمل التعاون تدريب عناصر من قوة التدخل السريع، وهي وحدة عسكرية خاصة أنشأها الرئيس محمد إدريس ديبي أواخر سنة 2023، إلى جانب برامج تدريبية قدمها عناصر من سلاح الجو الفرنسي خلال الصيف.

ولا تقتصر التحركات الفرنسية على التدريب الميداني، إذ تبحث باريس تزويد الجيش التشادي بمروحيتين وطائرة مخصصة لنقل القوات، في إطار دعم القدرات الجوية والعسكرية للبلاد.

كما أرسلت المديرية العامة للتسليح الفرنسية وفداً إلى نجامينا لدراسة الاحتياجات العسكرية التشادية، تمهيداً لتحديد مجالات التعاون التقني والتجهيزات الممكن توفيرها.

وتجري أيضاً مناقشات بشأن إعادة طائرات استطلاع ومراقبة فرنسية إلى تشاد، وهو ما قد يمنح باريس إمكانية استخدام مطار نجامينا مجدداً في مهام مرتبطة بالمراقبة الجوية.

ويكتسي هذا الاحتمال أهمية استراتيجية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي لتشاد عند تقاطع عدد من المناطق التي تشهد اضطرابات أمنية ونزاعات مسلحة.

أما التعاون الاستخباراتي بين البلدين، فلم يتوقف بصورة كاملة خلال الأزمة الدبلوماسية، إذ استمرت قنوات تبادل المعلومات بشأن تحركات الجماعات المتطرفة في حوض بحيرة تشاد طوال سنة 2025، وفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة الفرنسية.

ويشير استمرار هذه الاتصالات إلى أن القطيعة العسكرية المعلنة لم تؤد إلى إغلاق جميع قنوات التعاون الأمني بين باريس ونجامينا.

لماذا أصبحت تشاد مفتاح النفوذ الفرنسي في إفريقيا؟

تتمتع تشاد بموقع جغرافي يجعلها نقطة اتصال بين مناطق إفريقية شديدة الحساسية، إذ تحدها ليبيا شمالاً والسودان شرقاً والنيجر غرباً وجمهورية إفريقيا الوسطى جنوباً.

كما تمتد حدودها إلى نيجيريا والكاميرون، بالقرب من حوض بحيرة تشاد الذي يشهد منذ سنوات نشاطاً لجماعات مسلحة، من بينها تنظيم بوكو حرام.

ويمنح هذا الموقع نجامينا أهمية عسكرية واستخباراتية بالنسبة إلى القوى الدولية المهتمة بمتابعة التطورات الأمنية في الساحل ووسط إفريقيا.

وكانت تشاد آخر دولة رئيسية تحتفظ فيها فرنسا بوجود عسكري دائم في المنطقة، قبل قرار إنهاء اتفاق التعاون الدفاعي في نونبر 2024.

وبرر الرئيس محمد إدريس ديبي القرار آنذاك بأن الاتفاق لم يعد يستجيب للاحتياجات الأمنية والجيوسياسية لبلاده، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صياغة علاقات جديدة مع باريس.

وفي يناير 2025، غادر آخر الجنود الفرنسيين الأراضي التشادية، لتنتهي مرحلة من الوجود العسكري الفرنسي المباشر الذي استمر لعقود.

اقرأ أيضا: فرنسا تستدعي السفير الإيراني بعد إغلاق مركز تابع لسفارتها في طهران

فرنسا تغير استراتيجيتها في الساحل بعد خسارة قواعدها العسكرية

تعكس التحركات الفرنسية الجديدة في تشاد تحولاً في السياسة الدفاعية لباريس تجاه القارة الإفريقية، بعدما أصبح نموذج القواعد العسكرية الدائمة والانتشار الواسع أقل قبولاً لدى عدد من الحكومات الإفريقية.

وكانت فرنسا قد انسحبت من مالي، ثم أنهت وجودها العسكري في بوركينا فاسو والنيجر، قبل أن تغادر تشاد، في سياق تصاعد المطالب بإعادة النظر في طبيعة العلاقات الأمنية مع القوة الاستعمارية السابقة.

وتزامنت هذه التطورات مع توسع التعاون العسكري بين دول الساحل وروسيا، إلى جانب تنامي حضور تركيا وشركاء دوليين آخرين في مجالات التدريب والتسليح والدعم الأمني.

وفي مواجهة هذه التحولات، بدأت باريس اعتماد مقاربة تقوم على فرق عسكرية محدودة العدد، وتبادل المعلومات والخبرات، وتقديم المساعدة التقنية استجابة لاحتياجات الحكومات الشريكة.

ويختلف هذا النموذج عن عملية «برخان» التي اعتمدت على نشر آلاف الجنود الفرنسيين في قواعد عسكرية موزعة على دول الساحل، قبل إنهاء العملية وانسحاب القوات الفرنسية من أبرز مواقع انتشارها.

كما سبق لفرنسا أن أنهت وجودها العسكري الدائم في السنغال خلال يوليوز 2025، مع الحفاظ على مجالات للتعاون الدفاعي والتدريب وتبادل المعلومات.

وتبدو تشاد اليوم اختباراً عملياً لمدى قدرة باريس على تطبيق هذه المقاربة الجديدة، خصوصاً أن استعادة التعاون العسكري تجري بعد فترة قصيرة نسبياً من إنهاء اتفاق الدفاع السابق.

وبينما تسعى فرنسا إلى استرجاع جزء من نفوذها الأمني، تحرص السلطات التشادية على تقديم علاقاتها الدولية في إطار خيارات سيادية تحددها مصالح البلاد واحتياجاتها الدفاعية.

ويبقى مستقبل هذا التقارب مرتبطاً بمدى تنفيذ التفاهمات الجديدة، وبطبيعة الترتيبات التي قد تسمح باستخدام وسائل المراقبة والطيران الفرنسي دون العودة إلى نموذج القواعد العسكرية التقليدية.

وهكذا، تفتح عودة التعاون الدفاعي بين باريس ونجامينا مرحلة جديدة في العلاقات الفرنسية الإفريقية، عنوانها تقليص الانتشار المباشر والاعتماد على الشراكات العسكرية، في وقت تتواصل فيه المنافسة الدولية على النفوذ داخل منطقة الساحل.