منال الهداوي
خلف انهيار سقف مدرسة في مدينة بيشاور الباكستانية مأساة إنسانية مؤلمة، بعدما أودى الحادث بحياة معلم و27 طفلا، في واقعة أعادت إلى الواجهة مخاطر تدهور شروط السلامة داخل بعض المباني، خصوصا المنشآت التي تستقبل التلاميذ وتفترض فيها أعلى درجات الحماية والأمان. ووقعت الفاجعة صباح الخميس 15 أكتوبر 2026، مخلفة عشرات المصابين، بينهم حالات وصفت بالحرجة، وسط حالة من الحزن جراء سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا في مكان يفترض أن يكون فضاء للتعلم وبناء المستقبل.
وكشفت الحصيلة الأولية للحادث عن إصابة أكثر من 30 شخصا، ستة منهم في وضع صحي حرج، وهو ما يبرز حجم الخسائر البشرية التي خلفها انهيار السقف داخل المؤسسة التعليمية. وفي انتظار اتضاح جميع تفاصيل الواقعة، تثير هذه الأرقام مخاوف بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالموجودين داخل المدرسة لحظة وقوع الحادث، خاصة أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر حاجة إلى الحماية في مثل هذه الظروف الطارئة.
وأعاد هذا الحادث المأساوي مشاهد الخطر الذي قد يحيط بالتلاميذ داخل بعض المؤسسات التعليمية عندما لا تتوفر شروط السلامة الضرورية، إذ يمكن أن تتحول قاعات الدراسة في لحظات قليلة من فضاءات للتعلم إلى مواقع لحوادث مميتة. كما تطرح الفاجعة تساؤلات حول مدى سلامة المباني المخصصة لاستقبال الأطفال، وضرورة التأكد من قدرتها على تحمل الاستخدام اليومي، خصوصا في المناطق التي تواجه تحديات مرتبطة بجودة البناء وضعف إجراءات المراقبة.
وفي أعقاب الحادث، عبر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن حزنه العميق لفقدان الضحايا، مقدما تعازيه إلى أسر الأطفال والمعلم الذي لقوا مصرعهم. وتعكس هذه التعازي حجم الصدمة التي خلفتها الفاجعة لدى الرأي العام، بالنظر إلى العدد المرتفع للضحايا وصغر سن معظمهم، فضلا عن الألم الذي تعيشه العائلات التي فقدت أبناءها في ظروف مفاجئة ومأساوية.
إقرأ أيضا :باكستان-تتحرك-دبلوماسياً-لاحتواء
وتكتسي هذه الحادثة بعدا إنسانيا خاصا، لأن ضحاياها من الأطفال الذين كانوا يرتادون المدرسة من أجل متابعة دراستهم، بينما كان المعلم يؤدي دوره التربوي داخل المؤسسة. ويجعل هذا السياق من انهيار سقف المدرسة أكثر من مجرد حادث مرتبط بسقوط جزء من مبنى، إذ يسلط الضوء على مسؤولية توفير بيئة تعليمية آمنة، وعلى أهمية اتخاذ التدابير الوقائية التي تحول دون وقوع مثل هذه الكوارث.
ومن جهة أخرى، لا تبدو حوادث انهيار المباني غريبة عن الواقع الباكستاني، حيث تواجه البلاد تحديات مرتبطة بسلامة بعض المنشآت وجودة مواد البناء ومدى احترام المعايير المعتمدة في التشييد. وتزداد خطورة هذه الإشكالات عندما يتعلق الأمر بالمباني التي تستقبل أعدادا كبيرة من الأشخاص، مثل المدارس والمراكز التعليمية والمساكن متعددة الطوابق، إذ يمكن لأي خلل في البنية الإنشائية أن يؤدي إلى خسائر جسيمة في الأرواح.
وتكشف حوادث مماثلة شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية عن استمرار المخاطر المرتبطة بسلامة المباني. ففي يونيو الماضي، لقي أكثر من عشرة أطفال مصرعهم إثر انهيار سقف مركز للدعم المدرسي بمدينة لاهور الواقعة شرقي باكستان، في حادثة أثارت بدورها القلق بشأن شروط السلامة داخل الفضاءات المخصصة لتعليم الأطفال ومواكبتهم الدراسية. ويعزز تكرار مثل هذه الوقائع الحاجة إلى مراجعة إجراءات الوقاية والمراقبة، خصوصا في المنشآت التي تستقبل التلاميذ بشكل منتظم.
كما شهدت مدينة كراتشي الجنوبية، خلال عام 2025، حادثا مأساويا آخر تمثل في انهيار مبنى سكني مكون من خمسة طوابق في حي لياري الفقير، ما أسفر عن مقتل 27 شخصا وإصابة عشرة آخرين. وتبرز هذه الحوادث المتعاقبة أن مخاطر انهيار المباني لا تقتصر على نوع معين من المنشآت، بل تشمل أيضا الأحياء السكنية والمرافق التي قد تعاني من ضعف البنية أو غياب الصيانة الكافية.
وفي ظل هذه الوقائع، تبرز أهمية تعزيز عمليات التفتيش التقني على المباني، وإخضاع المنشآت القديمة أو التي تظهر عليها علامات التصدع لفحوص منتظمة، إلى جانب ضمان احترام معايير البناء واستخدام مواد تستجيب لشروط الجودة والسلامة. كما تظل الصيانة الدورية والتدخل المبكر لمعالجة الاختلالات من الإجراءات الأساسية التي يمكن أن تحد من احتمالات وقوع انهيارات مفاجئة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمؤسسات تستقبل الأطفال يوميا.
ولا تقل مسؤولية حماية الأرواح أهمية عن سرعة التدخل بعد وقوع الكارثة، إذ تفرض مثل هذه الحوادث ضرورة الاستعداد للطوارئ وتوفير وسائل الإنقاذ والإسعاف، مع الحرص على تحديد أسباب الانهيار لتفادي تكرار السيناريو نفسه. كما أن التحقيق في ملابسات الواقعة وتقييم حالة المبنى قد يساعدان على تحديد أوجه القصور المحتملة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم استمرار المخاطر داخل منشآت مشابهة.
وتبقى فاجعة بيشاور تذكيرا مؤلما بأن سلامة المدارس ليست مسألة ثانوية، بل شرط أساسي لحماية حق الأطفال في التعليم والحياة الآمنة. فبينما تخيم مشاعر الحزن على أسر الضحايا، تتجدد الدعوات إلى جعل الوقاية من حوادث البناء أولوية، وتشديد الرقابة على المباني التعليمية، حتى لا تتحول المؤسسات التي يفترض أن تحتضن أحلام الأطفال ومستقبلهم إلى أماكن تهدد حياتهم.







