إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

قرار وزاري يعيد رسم خريطة التعليم ويواجه الهدر المدرسي

10:16 · 14/09/2026

هجر إمغري

أعاد قرار وزاري جديد ترتيب بنية الإدارة المركزية لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، واضعا مجموعة من الاختصاصات والمهام ضمن تنظيم إداري جديد يروم مواكبة التحولات التي يعرفها قطاع التعليم، وتعزيز قدرته على التخطيط والتقييم والتدبير والاستجابة للإشكالات المرتبطة بالتمدرس وجودة التعلمات والتحول الرقمي.

ودخل القرار الوزاري رقم 1275.26، المتعلق بإحداث الأقسام والمصالح التابعة للإدارة المركزية لقطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي وتحديد تنظيمها واختصاصاتها، حيز التنفيذ بعد نشره في الجريدة الرسمية، ليشكل بذلك خطوة جديدة في إعادة هيكلة الإدارة المركزية وتحديد مجالات تدخل مختلف المديريات والأقسام والمصالح التابعة للقطاع.

ويعيد التنظيم الجديد توزيع عدد من الاختصاصات المرتبطة بتدبير المنظومة التعليمية، من خلال إسناد مهام دقيقة إلى بنيات إدارية متخصصة في مجالات التربية والتكوين، والحياة المدرسية، والتخطيط، والتقييم، والموارد البيداغوجية والرقمية، ونظم المعلومات، والميزانية، ومراقبة التدبير، بما يعكس توجها نحو جعل الإدارة أكثر تخصصا وقدرة على مواكبة الأولويات الجديدة للقطاع.

ويحضر ملف الهدر والانقطاع المدرسي بشكل لافت ضمن هذا التنظيم، بعدما خصص القرار بنيات تهتم باليقظة التربوية وتتبع وضعية الأطفال الموجودين خارج المدرسة، والعمل على رصد حالات الانقطاع في مراحل مبكرة، ثم البحث عن السبل الكفيلة بإعادة إدماج المنقطعين داخل المنظومة التعليمية.

كما يرتبط هذا التوجه بتطوير أدوات أكثر استباقية في التعامل مع ظاهرة الهدر المدرسي، عبر إعداد الدراسات والخرائط وقواعد البيانات الخاصة بالتمدرس الاستدراكي، إلى جانب تطوير برامج للدعم والمواكبة تساعد على الحد من الانقطاع عن الدراسة، وتحسين آليات التتبع والتدخل قبل تفاقم الوضعيات التي قد تدفع التلاميذ إلى مغادرة المدرسة.

وفي السياق نفسه، يراهن التنظيم الجديد على تعزيز مكانة الموارد البيداغوجية والرقمية داخل المنظومة التعليمية، من خلال تنظيم مديرية متخصصة تضم بنيات تعنى بالوسائل التعليمية والكتب المدرسية، وأخرى تركز على الموارد الرقمية والتعلم عن بعد، بما ينسجم مع الحضور المتزايد للتكنولوجيا في العملية التعليمية.

وتتولى البنية المكلفة بالموارد التعليمية العمل على وضع المعايير والمواصفات الخاصة بالعتاد والوسائل البيداغوجية، إلى جانب تطوير الكتب المدرسية الرقمية وإنتاج واقتناء الموارد الرقمية، فضلا عن دعم استخدام المنصات التعليمية وتطوير مضامين التعلم عن بعد، وهو ما يمنح التحول الرقمي بعدا يتجاوز توفير المعدات نحو بناء موارد ومضامين تعليمية قابلة للاستعمال داخل وخارج المؤسسات.

ويمنح القرار كذلك أهمية كبيرة لتقييم التعلمات والامتحانات المدرسية، من خلال إعادة تنظيم المركز الوطني المختص بهذا المجال، بما يسمح بالفصل والتكامل بين تدبير الامتحانات وتقييم مستوى التحصيل الدراسي، مع إسناد مهام مرتبطة بتنظيم مسابقات التميز.

ويعمل قسم تقييم التعلمات، وفق التنظيم الجديد، على إعداد الاستراتيجية الوطنية المتعلقة بالتقييم، وتطوير الأدوات والأطر المرجعية اللازمة لقياس مستوى التعلمات، إلى جانب المشاركة في الدراسات الوطنية والدولية وتحليل نتائجها واستثمارها في تطوير السياسات التعليمية، بما يجعل نتائج التقييم وسيلة لتشخيص مكامن القوة والضعف واتخاذ قرارات أكثر ارتباطا بالمعطيات الميدانية.

ويعيد التنظيم أيضا ترتيب مجال الحياة المدرسية والتوجيه المدرسي والمهني، عبر بنية إدارية تهتم بتنظيم الحياة المدرسية والأنشطة الموازية، إلى جانب مواكبة التلاميذ في اختياراتهم الدراسية والمهنية، بما يهدف إلى جعل المؤسسة التعليمية فضاء للتعلم والتكوين وبناء الشخصية، وليس فقط مكانا لتلقي الدروس.

ويشمل هذا التصور تعزيز جاذبية المؤسسات التعليمية وترسيخ قيم المواطنة والسلوك المدني، فضلا عن تطوير برامج الصحة المدرسية والتربية الصحية وتوسيع الأندية التربوية والأنشطة الموازية، مع الاستفادة من التكنولوجيا ونتائج البحث العلمي والتجارب الميدانية في تحسين الحياة اليومية داخل المؤسسات.

وفي جانب آخر، يضع القرار التخطيط والدراسات الاستشرافية والإحصاء في موقع أساسي ضمن تدبير القطاع، من خلال إحداث مديرية متخصصة تضم أقساما تهتم بالدراسات الاستشرافية والإحصاء ومؤشرات الأداء والتخطيط والخريطة المدرسية، إلى جانب مصلحة مخصصة لتتبع المشاريع الممولة.

ويستهدف هذا التنظيم توفير قاعدة من المعطيات الكمية والنوعية التي تساعد الإدارة على اتخاذ قرارات أكثر دقة، وإنجاز دراسات استشرافية وتوقعية حول حاجيات المنظومة التعليمية، سواء على المدى القريب أو المتوسط، فضلا عن تتبع خطط تطوير التمدرس وقياس مدى تحقيق أهدافها.

ويعزز القرار في هذا الإطار الاعتماد على البيانات والإحصائيات باعتبارها أدوات أساسية في صناعة القرار، من خلال تنظيم عمليات الإحصاء وتحيين النظام المعلوماتي والتدبيري الخاص بمعطيات التربية، وإعداد المؤشرات والتحليلات ولوحات القيادة التي تمكن المسؤولين من تتبع تطورات القطاع بصورة أكثر انتظاما.

ويرتبط التخطيط أيضا بتحديد أولويات وأهداف كل دخول مدرسي، وتتبع توزيع البنايات والتجهيزات وتأهيل المؤسسات العمومية، إلى جانب إعداد الخريطة المدرسية وتطويرها وقياس أثرها على أداء التعليم، بما يربط القرارات المتعلقة بالبنية المدرسية بالحاجيات الفعلية للتلاميذ والمجالات الترابية.

ويأخذ التحول الرقمي بدوره مكانة مستقلة في الهيكلة الجديدة، من خلال إحداث مديرية لنظم المعلومات والتحول الرقمي، تتولى مجموعة من الملفات المرتبطة بالبنية التحتية والأنظمة والشبكات المعلوماتية، والاستراتيجية الرقمية، ونظم المعلومات البيداغوجية، إضافة إلى الأنظمة المرتبطة بالتدبير والتخطيط والموارد.

وتشمل المهام كذلك تطوير نظم المعلومات الخاصة بالامتحانات والمباريات، وتعزيز سلامة الأنظمة المعلوماتية، وإدارة المركز الوطني للبيانات، فضلا عن تدبير الخوادم والشبكات وتطوير الخدمات الإلكترونية والمنظومات الرقمية الوطنية، بما يعكس اتجاها نحو توحيد وتطوير البنية المعلوماتية للقطاع.

ويحضر مفهوم الجودة كذلك ضمن الهيكلة الجديدة، عبر المركز الوطني لعلامة جودة مؤسسات التربية والتعليم، الذي يضطلع بمهام مرتبطة بوضع وتحيين الإطار المرجعي الخاص بمنح علامة الجودة للمؤسسات العمومية، إلى جانب الإشهاد على منشطي الأنشطة الموازية واعتماد الهيئات المتدخلة في هذا المجال.

ويأتي هذا التوجه في سياق السعي إلى جعل جودة المؤسسة التعليمية قابلة للقياس والتقييم وفق معايير محددة، بدل الاكتفاء بمؤشرات مرتبطة بالتمدرس أو النتائج الدراسية، بما يوسع مفهوم الجودة ليشمل البيئة المدرسية والأنشطة والخدمات وآليات التدبير.

ويشمل التنظيم الجديد كذلك الجانب المالي والتدبيري، من خلال إحداث مديرية للبرمجة والميزانية ومراقبة التدبير، تضم أقساما تهتم بالميزانية ومراقبة التدبير وبرامج الدعم الاجتماعي، وهو ما يربط التخطيط المالي بالأهداف والبرامج التي تشتغل عليها المنظومة التعليمية.

وتتكلف هذه المديرية بإعداد البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات ومشروع الميزانية السنوية، فضلا عن توزيع الاعتمادات بين البرامج والمشاريع والأكاديميات الجهوية، وتتبع عقود نجاعة الأداء وعقود البرامج، إلى جانب مراقبة التدبير المالي، بما يعزز ربط الموارد المالية بالأهداف المحددة للقطاع.

كما تمتد الاختصاصات إلى تتبع خدمات الدعم الاجتماعي وتحليل معطياتها وتحديد الحاجيات المرتبطة بها، وهو ما يضع البرامج الاجتماعية ضمن منظومة التدبير والتقييم، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بظروف التمدرس وقدرة الأسر والتلاميذ على الاستمرار داخل المدرسة.

وتكشف هذه الهيكلة الجديدة عن توجه نحو إعادة ضبط أدوار الإدارة المركزية وتوزيع الاختصاصات بشكل أكثر تخصصا، مع إعطاء مساحة أكبر للبيانات والتخطيط والتقييم والرقمنة والجودة، بالتوازي مع التركيز على قضايا ذات أثر مباشر على المسار الدراسي، وفي مقدمتها الهدر المدرسي والانقطاع عن الدراسة.

ويضع القرار في نهاية المطاف الإدارة التعليمية أمام منظومة تنظيمية تسعى إلى الجمع بين الاستشراف والتدبير اليومي، وبين تطوير الموارد الرقمية وتحسين جودة التعلمات، وبين مراقبة الموارد المالية وتتبع النتائج، بما يجعل إعادة الهيكلة وسيلة لإعادة توجيه الإدارة نحو أهداف أكثر ارتباطا بأداء المدرسة وحاجيات المتعلمين.

كما يعكس التنظيم الجديد محاولة للانتقال من تدبير يقوم على توزيع المهام الإدارية إلى نموذج أكثر اعتمادا على التخصص والبيانات والتقييم، حيث تصبح المعلومة التعليمية والتخطيط الاستباقي والتحول الرقمي وجودة المؤسسات ومحاربة الهدر المدرسي عناصر مترابطة داخل رؤية واحدة لتدبير القطاع.

ومن شأن نجاح هذه الهيكلة أن يرتبط، في المقابل، بمدى قدرة مختلف البنيات الجديدة على تحويل الاختصاصات المحددة على المستوى الإداري إلى إجراءات ملموسة داخل المؤسسات التعليمية، خصوصا في ما يتعلق بالرصد المبكر للانقطاع، وتحسين التعلمات، وتطوير الموارد الرقمية، وتجويد الخدمات، وضمان نجاعة الإنفاق العمومي، وهي رهانات تجعل التنظيم الإداري الجديد جزءا من مسار أوسع لإعادة بناء أداء المنظومة التعليمية.