هجر إمغري
طرح المغرب في جنيف رؤية متكاملة بشأن مستقبل التعاون التجاري والتنموي، واضعا خمس أولويات أمام مجلس التجارة والتنمية التابع لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي مرحلة شديدة التعقيد بفعل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتفاقم أزمات الطاقة والغذاء وارتفاع مستويات الديون وتزايد آثار التغير المناخي.
ودعا المغرب إلى الحفاظ على مبدأ التوافق داخل المجلس، معتبرا أن الوصول إلى أرضية مشتركة بين مختلف الدول يمثل مدخلا أساسيا لضمان فعالية العمل متعدد الأطراف، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية المتشابكة التي لم تعد تسمح للدول بمعالجة أزماتها بشكل منفرد.
وأكد المغرب، خلال أشغال الدورة الثالثة والسبعين لمجلس التجارة والتنمية، أن المرحلة الحالية تفرض إعادة تعزيز التعاون الدولي، ليس فقط من أجل تجاوز الأزمات الآنية، وإنما كذلك من أجل بناء منظومة تجارية أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات الاقتصادية والمناخية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على مسارات التنمية في مختلف مناطق العالم.
وسعى الموقف المغربي إلى الدفع نحو اعتماد أول قرار لمجلس التجارة والتنمية، مع التشديد على ضرورة أن تتم المفاوضات المرتبطة بهذا القرار في أجواء تقوم على الحوار والانفتاح والبحث عن التوافق. ويرى المغرب أن اعتماد أساليب عمل شفافة وشاملة من شأنه أن يعزز الثقة بين الدول الأعضاء ويمنح المجلس قدرة أكبر على الاضطلاع بدوره في معالجة الملفات المرتبطة بالتجارة والتنمية.
وركزت الأولوية الأولى على حماية مبدأ التوافق، باعتباره عنصرا مركزيا في نجاح أشغال المجلس، خاصة أن القضايا الاقتصادية والتجارية المطروحة على الساحة الدولية ترتبط بمصالح متفاوتة بين الدول المتقدمة والنامية. ومن هذا المنطلق، شدد المغرب على أهمية اعتماد مقاربة تقوم على تقريب وجهات النظر بدل تعميق الخلافات، بما يسمح بالخروج بقرارات تحظى بأوسع دعم ممكن.
وانتقل الموقف المغربي بعد ذلك إلى التأكيد على أهمية المبادرات الإقليمية والتعاون جنوب-جنوب، باعتبارهما رافعتين قادرتين على منح الدول النامية فرصا أكبر لتحقيق الاندماج الاقتصادي. وفي هذا الإطار، برزت أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تمثل مشروعا استراتيجيا لتعزيز المبادلات بين البلدان الإفريقية وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات وسلاسل الإنتاج داخل القارة.
كما حضر البعد الإفريقي بقوة في الرؤية المغربية من خلال المبادرة الملكية المتعلقة بإفريقيا الأطلسية، والتي تستهدف تعزيز الروابط بين دول الساحل والواجهة الأطلسية، وفتح إمكانيات جديدة أمام هذه البلدان للوصول إلى الموانئ والأسواق العالمية. ويتقاطع هذا التوجه مع مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يندرج ضمن مشاريع البنية التحتية ذات الأبعاد الاقتصادية والطاقية والإقليمية.
وتعكس هذه المبادرات، في التصور المغربي، توجها يقوم على تحويل التعاون جنوب-جنوب من مجرد شعار سياسي إلى آلية عملية لدعم التنمية وتعزيز الترابط الاقتصادي بين البلدان النامية. كما تبرز الحاجة إلى تطوير مشاريع مشتركة قادرة على خلق فرص الاستثمار وتحسين البنيات التحتية وتسهيل حركة السلع والطاقة وربط الاقتصادات المحلية بالأسواق الإقليمية والدولية.
ووسعت الرباط رؤيتها لتشمل تعزيز المبادلات التجارية بين دول الجنوب، مع الدفع نحو الاستفادة بشكل أكبر من النظام الشامل للأفضليات التجارية بين البلدان النامية. ويعتبر المغرب أن هذا الإطار يمكن أن يساعد على بناء علاقات تجارية أكثر استقرارا، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي والضغوط المتزايدة على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
ولا تقتصر المقاربة المقترحة على خفض الرسوم الجمركية أو إزالة العوائق التجارية التقليدية، بل تتجه نحو بناء تعاون اقتصادي أوسع يشمل الاستثمار والإنتاج والتمويل ونقل الخبرات والتكنولوجيا. ويهدف هذا التصور إلى جعل العلاقات التجارية بين دول الجنوب أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية وأكثر ارتباطا بحاجيات التنمية الداخلية.
وأثار المغرب كذلك مسألة البلدان ذات الدخل المتوسط، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان بين الدول الأكثر فقرا التي تستفيد من عدد من آليات الدعم، والاقتصادات المتقدمة التي تمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى التمويلات والأسواق. وفي هذا السياق، شدد على ضرورة إعادة النظر في بعض المعايير المعتمدة لتحديد احتياجات الدول، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالحصول على التمويلات الميسرة.
وتبرز أهمية هذا الطرح بشكل خاص في ظل ارتفاع عدد الصدمات التي تواجهها الاقتصادات ذات الدخل المتوسط، سواء بسبب الكوارث المناخية أو التقلبات الاقتصادية أو الأزمات الصحية. فمؤشر الدخل الفردي، وفق الرؤية التي قدمها المغرب، لا يكفي دائما لقياس حجم المخاطر التي تواجهها هذه البلدان أو قدرتها الفعلية على تحمل الأزمات المتلاحقة.
ومن هنا جاء دعم المغرب لمبادرة “ما بعد الناتج الداخلي الخام”، التي تسعى إلى توسيع النظرة إلى التنمية وعدم اختزالها في المؤشرات الاقتصادية التقليدية. فقياس التنمية، وفق هذا التوجه، يحتاج إلى إدماج عناصر أخرى مرتبطة بالهشاشة الاجتماعية والمناخية والصحية ومدى قدرة الدول على مواجهة الصدمات التي قد تهدد مكتسباتها التنموية.
ووجه المغرب اهتمامه كذلك إلى قضية التمويل المناخي، التي أصبحت واحدة من أكثر الملفات إلحاحا بالنسبة إلى البلدان النامية. وأكد أن توفير الموارد المالية الضرورية لمواجهة التغير المناخي لا ينبغي أن يكون محدودا أو متقطعا، بل يجب أن يتسم بالاستمرارية والوضوح والإنصاف، حتى تتمكن الدول الأكثر هشاشة من تنفيذ برامج التكيف والتنمية المستدامة.
وتزداد أهمية هذا المطلب مع اتساع الفجوة بين حجم الأضرار التي تخلفها الظواهر المناخية وبين الإمكانيات المتاحة للعديد من الدول النامية لمواجهتها. فالجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة واضطرابات الإنتاج الزراعي أصبحت عوامل تؤثر في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، ما يجعل التمويل المناخي جزءا أساسيا من أي استراتيجية تنموية مستقبلية.
ويأتي هذا الموقف المغربي في دورة تنعقد وسط ظرفية دولية مضطربة، حيث تتداخل الأزمات الجيوسياسية مع الملفات الاقتصادية والمناخية. كما أن اضطرابات حركة الطاقة العالمية أصبحت تنعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والنقل والإنتاج، وهو ما يضع الاقتصادات النامية أمام تحديات إضافية بسبب محدودية مواردها المالية وارتفاع تكلفة الاستيراد.
وأبرزت أشغال الدورة أيضا تداعيات الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز على الطاقة والغذاء والتنمية في البلدان النامية، إلى جانب استعراض حصيلة أنشطة الأونكتاد خلال سنة 2026 والتوجهات المرتقبة لسنة 2027. وتكشف هذه الملفات عن حجم الترابط بين الاستقرار الجيوسياسي وبين الأمن الاقتصادي العالمي، خصوصا بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية للحصول على الطاقة والمواد الأساسية.
ويحاول المغرب من خلال هذا الحضور الدفع نحو مقاربة أكثر توازنا داخل المؤسسات الدولية، تقوم على الاستماع إلى أولويات الدول النامية وعدم التعامل مع التجارة والتنمية باعتبارهما ملفين منفصلين عن قضايا المناخ والطاقة والديون والأمن الغذائي. كما يعكس طرح الأولويات الخمس رغبة في تعزيز التعاون متعدد الأطراف في مرحلة تتزايد فيها التحديات وتتراجع فيها قدرة الحلول الفردية على الاستجابة للأزمات العابرة للحدود.
ويؤكد هذا التحرك أن الحضور المغربي في المحافل الاقتصادية الدولية لا يركز فقط على الدفاع عن المصالح الوطنية، بل يسعى كذلك إلى طرح قضايا مرتبطة بمستقبل القارة الإفريقية والدول النامية عموما. فتعزيز الاندماج الإفريقي، وتطوير التعاون جنوب-جنوب، وتحسين شروط التمويل، ودعم العمل المناخي، كلها ملفات تتقاطع مع الرهانات التنموية التي تواجهها دول الجنوب.
ويعكس اختيار هذه الأولويات الخمس رؤية تعتبر أن مستقبل التجارة العالمية لا يمكن أن ينفصل عن العدالة في توزيع فرص التنمية والتمويل، ولا عن قدرة الدول على مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية. وبينما يستعد مجلس التجارة والتنمية لمواصلة أشغاله، يضع المغرب التوافق والتعاون والاندماج الاقتصادي والتمويل المستدام في صلب النقاش حول مستقبل النظام التجاري والتنموي الدولي.







