ياسر الرقاص
في رسالة سياسية لا تحتمل التأويل، وتتويجا لمسار طويل من التجاذبات، حسمت الإدارة الأمريكية موقفها بتأكيد استمرار سياسة “الخنق المزدوج” الموجهة ضد طهران، فقد قطعت وزارة الخارجية الأمريكية الشك باليقين حين أعلنت، بلهجة حازمة، أن واشنطن لن تدخر جهدا في توظيف ترسانتها الكاملة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية بهدف فرض عزلة شاملة ومحكمة على النظام الإيراني.
هذا التصريح، الذي يتربع على قمة المشهد السياسي الحالي، يجسد القناعة الأمريكية الراسخة بأن محاصرة طهران ماليا وسياسيا هي الورقة الأنجع لتقليم أظافرها والحد من طموحاتها التي تقلق العواصم الغربية.
ولا يمكن قراءة هذا الموقف الصارم بمعزل عن رقعة الشطرنج الجيوسياسية المعقدة التي تتشابك فيها خيوط الشرق الأوسط بأزمات العالم. فبالاستناد إلى تقارير استخباراتية واقتصادية دولية حديثة، تتجه الأدوات الاقتصادية الأمريكية نحو تكتيكات أكثر دقة؛ لم تعد تقتصر على تجميد الأصول التقليدية، بل باتت تستهدف تفكيك “شبكات الظل” المعقدة التي تعتمد عليها إيران لتصدير نفطها عبر وسطاء وهميين.
علاوة على ذلك، يمتد سيف العقوبات ليطال خطوط الإمداد التكنولوجي، وتحديدا صناعة الطائرات المسيرة التي أثبتت التقارير الأممية والدولية وصولها إلى ساحات صراع بعيدة، بدءا من الأزمة الأوكرانية وصولا إلى التوترات المستمرة في مياه البحر الأحمر والشرق الأوسط.
على الجبهة الدبلوماسية، تترجم واشنطن وعيدها من خلال حراك مكثف في أروقة المنظمات الدولية. الهدف هنا يتجاوز مجرد الإدانة، ليصل إلى محاولة بناء جدار صد من التحالفات الغربية والإقليمية، يمنع طهران من استغلال التناقضات الدولية للالتفاف على التزاماتها، لا سيما في ملفها النووي الشائك الذي لا يزال يشكل قنبلة موقوتة على طاولة المفاوضات المتعثرة.
أما في قاعدة هذا الهرم الإخباري، حيث تتوارى الأرقام وتبرز الوجوه الإنسانية، يطرح المشهد تساؤلات وجودية حول ضريبة هذه العزلة. فرغم نجاح استراتيجية “الضغط الأقصى” في محاصرة الهيكل الرسمي للنظام ودفع العملة المحلية إلى مستويات انهيار تاريخية، إلا أن السلطة في طهران طورت آليات قاسية للبقاء.
وفي خضم صراع الإرادات هذا، يقف المواطن الإيراني البسيط في خط النار المنسي؛ ممزقا بين مطرقة عقوبات خارجية تخنق مقدرات بلاده، وسندان تضخم داخلي يلتهم أحلامه اليومية، ليظل الإنسان، كعادته في كل صراع سياسي، هو الضحية الصامتة التي تدفع الفاتورة الأغلى لقرارات لا تملك حق التصويت عليها.







