إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

المغرب يستعيد الأمل في الفلاحة مع وفرة المياه والسقي

11:12 · 15/09/2026

هجر إمغري

يدخل المغرب الموسم الفلاحي الجديد 2026-2027 في ظرف مائي مختلف بشكل واضح عن السنوات الماضية، بعدما سجلت حقينة السدود الوطنية مستويات مرتفعة تمنح القطاع الفلاحي هامشا أكبر للتحرك واستعادة جزء من النشاط الذي تأثر خلال سنوات متتالية من الإجهاد المائي.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن مخزون السدود تجاوز 11 مليارا و355 مليون متر مكعب، بما يعادل نحو 66,69 في المائة من مجموع السعة الإجمالية، وهو مستوى يعكس تحسنا كبيرا في الوضعية المائية مقارنة مع السنوات التي كان فيها المغرب يستقبل بداية الموسم الفلاحي بأرصدة محدودة، ما كان يفرض قيودا صارمة على عمليات السقي ويضع الفلاحين أمام موسم محفوف بالمخاطر.

ويمنح هذا التحسن المائي القطاع الفلاحي فرصة لافتتاح الموسم الجديد بقدر أكبر من الاطمئنان، خصوصا في المناطق التي عانت خلال السنوات الماضية من تراجع حصص مياه الري أو توقفها لفترات طويلة. كما يفتح ارتفاع المخزون إمكانية توسيع عمليات السقي بشكل تدريجي، بما قد يساعد على استعادة وتيرة الإنتاج في عدد من المناطق الفلاحية الكبرى.

وتستفيد المدارات السقوية الكبرى من هذه الوضعية الجديدة، حيث يرتقب أن تستأنف عمليات الري بصورة تدريجية في مناطق دكالة والحوز وتادلة، وهي مجالات فلاحية ارتبط نشاطها بشكل وثيق بتوفر المياه. ومن شأن عودة السقي إلى مستويات أكثر انتظاما أن تمنح الفلاحين قدرة أكبر على التخطيط للموسم، بعدما اضطر عدد منهم في السنوات السابقة إلى تقليص المساحات المزروعة أو تغيير طبيعة المحاصيل بسبب ندرة المياه.

كما يأتي هذا التحسن في وقت يشهد فيه تدبير الموارد المائية بالمغرب تحولات هيكلية، خصوصا مع تسارع مشاريع تحلية مياه البحر وإعادة توجيه جزء من المياه المحلاة نحو المدن والمناطق التي تعرف ضغطا متزايدا على الموارد التقليدية. وفي هذا السياق، يكتسي استكمال تجهيزات نقل المياه المحلاة من محطة الجرف الأصفر نحو مراكش أهمية خاصة، باعتبار أن هذه الخطوة يمكن أن تساهم في تخفيف الضغط على الموارد السطحية، وخلق هامش أكبر لتخصيص المياه المتاحة للأنشطة الفلاحية.

ويعزز هذا التطور إمكانية تحقيق توازن أفضل بين حاجيات السكان من مياه الشرب ومتطلبات القطاع الفلاحي، خاصة في المناطق التي كانت تعرف تنافسا متزايدا على الموارد المائية. كما ينسجم مع التوجه نحو تنويع مصادر المياه وتقليل الاعتماد المطلق على التساقطات المطرية والموارد التقليدية.

ويبدو أن الفلاحين سيكونون أمام موسم أكثر ملاءمة من المواسم السابقة، غير أن تحسن الوضعية المائية لا يعني اختفاء جميع الصعوبات. فالقطاع يحتاج إلى معالجة آثار السنوات الماضية، بعدما خلف انقطاع مياه السقي وتراجع الموارد أضرارا متفاوتة في عدد من المدارات، إضافة إلى تضرر بعض شبكات وقنوات الري، وهو ما يجعل إصلاح البنيات المائية عاملا أساسيا للاستفادة الكاملة من وفرة المياه الحالية.

وتتطلب المرحلة المقبلة كذلك إعادة تأهيل عدد من التجهيزات المرتبطة بالسقي، إلى جانب تنظيم عمليات توزيع المياه وفق حاجيات كل منطقة ومحصول. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة لأن ارتفاع مخزون السدود لن يحقق أثره الاقتصادي والاجتماعي المنتظر ما لم يترجم إلى مياه تصل فعليا إلى الأراضي الزراعية وفي التوقيت المناسب.

وتعطي المؤشرات الحالية أيضا آمالا بتحسن إنتاج عدد من الأشجار المثمرة، في مقدمتها الحوامض والزيتون والرمان والتفاح، مستفيدة من التساقطات المطرية والثلجية التي عرفتها مناطق مختلفة، فضلا عن تحسن إمكانية الحصول على مياه الري. وقد ينعكس ذلك على حجم المحاصيل وجودتها، وبالتالي على مستوى العرض في الأسواق الوطنية خلال الأشهر المقبلة.

ويرتبط تحسن الإنتاج الفلاحي بشكل مباشر بوضعية السوق الداخلية، إذ إن وفرة بعض المنتجات الزراعية يمكن أن تساعد على تعزيز العرض وتخفيف الضغوط التي تعرفها الأسعار، خاصة عندما تقترن بظروف مناخية ومائية مناسبة. غير أن تأثير ذلك على أسعار المستهلك سيظل مرتبطا أيضا بتكاليف النقل والتخزين والطاقة وهوامش الوسطاء والعرض والطلب.

وفي المقابل، يواجه الفلاح المغربي مجموعة من التحديات التي لا ترتبط مباشرة بكمية المياه المتوفرة. فقد أصبحت تكلفة الطاقة والمدخلات الفلاحية والأسمدة عاملا ضاغطا على ميزانيات المنتجين، فيما تواصل التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية التأثير في أسعار عدد من المواد الأساسية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي.

وتزيد الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية من صعوبة التنبؤ بتكاليف الإنتاج، خصوصا بالنسبة للمواد التي يعتمد جزء من السوق على استيرادها، مثل الحبوب والذرة والصويا. وقد تؤدي أي زيادة جديدة في أسعار هذه المواد أو في تكاليف نقلها إلى رفع كلفة الإنتاج، حتى في حال تحسن الموارد المائية داخليا.

ويظل نقص اليد العاملة الموسمية واحدا من الملفات التي قد تفرض نفسها بقوة خلال الموسم الجديد، خصوصا في مراحل جني المحاصيل التي تتطلب أعدادا مهمة من العمال خلال فترات زمنية قصيرة. ويؤثر هذا النقص بشكل مباشر في سرعة جمع المنتجات وفي تكاليف الإنتاج، ما يجعل توفير اليد العاملة المؤهلة والموسمية تحديا موازيا لتحدي المياه.

ومع ذلك، تبرز وفرة الموارد المائية كأحد أهم عناصر القوة التي يستند إليها الموسم الفلاحي الجديد. فبعد سنوات اتسمت بالحذر وتقليص عمليات السقي والبحث المستمر عن حلول لتدبير الندرة، يجد القطاع نفسه أمام فرصة لاستعادة جزء من التوازن الذي فقده خلال فترة الإجهاد المائي.

وقد يوفر المخزون الحالي قدرة مائية يمكن أن تمتد لسنوات في حال استمرار تساقطات مطرية متوسطة، وهو ما يمنح صناع القرار والفلاحين فرصة لاستثمار الظرفية الحالية في تحسين البنيات التحتية للسقي، وتطوير تقنيات الاقتصاد في الماء، ورفع مردودية استعمال كل متر مكعب من المياه.

ويفرض هذا التحسن في المقابل الحفاظ على سياسة عقلانية في استهلاك المياه، لأن ارتفاع حقينة السدود لا يعني نهاية التحديات المناخية. فالقطاع الفلاحي يظل من أكثر القطاعات ارتباطا بالتغيرات المناخية، الأمر الذي يجعل تدبير الموارد المتاحة على أساس الاستدامة ضروريا لتفادي العودة إلى مستويات الإجهاد السابقة.

وبذلك، يبدو الموسم الفلاحي في المغرب أمام فرصة جديدة لاستعادة الزخم، مستفيدا من تحسن كبير في المخزون المائي وعودة تدريجية لعمليات السقي في عدد من المناطق. وبين وفرة المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص اليد العاملة وتقلبات الأسواق الدولية، سيظل نجاح الموسم مرتبطا بقدرة القطاع على تحويل التحسن المائي إلى إنتاج فعلي ومستدام ينعكس على الفلاح والسوق والمستهلك في آن واحد.