كوثر بوجوال
يتصاعد القلق من الاحتيال الإلكتروني في روسيا مع تزايد الحالات التي يعتمد فيها محتالون على انتحال صفات موظفي البنوك أو عناصر من جهاز الأمن الفيدرالي، مستفيدين من تطور الأدوات الرقمية وقدرتها على جعل عمليات الخداع أكثر إقناعا وتعقيدا بالنسبة إلى الضحايا.
وحذر فلاديمير تاباك، رئيس الشبكة العالمية لتقصي الحقائق، من اتساع نطاق هذه الممارسات، مشيرا إلى تسجيل عدد كبير من عمليات الاحتيال الإلكتروني في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا قادرة على توفير وسائل جديدة للمحتالين، بينها تقنيات التزييف العميق التي تسمح بمحاكاة الصوت أو الصورة بطريقة يصعب على بعض المستخدمين اكتشافها.
الاحتيال الإلكتروني ينتقل إلى مستوى أكثر تعقيدا
تقوم إحدى الحيل التي أثارت التحذيرات على تلقي الضحية مكالمة من شخص يقدم نفسه باعتباره ممثلا لإحدى المؤسسات البنكية، قبل أن يجري تحويل المكالمة إلى شخص آخر يدعي أنه مسؤول في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
وفي سيناريو آخر، قد يظهر المحتال عبر مكالمة فيديو من مكان مصمم ليبدو شبيها بمكتب رسمي، ثم يوجه اتهامات إلى الضحية أو يحاول إقناعها بوجود مشكلة أمنية أو مالية تتطلب اتخاذ إجراء سريع.
وتكمن خطورة هذا النوع من الأساليب في انتقال الاحتيال من الرسائل والمكالمات التقليدية إلى سيناريوهات مركبة تستند إلى بناء شعور بالثقة والضغط في الوقت نفسه. فاستعمال أسماء مؤسسات معروفة أو جهات أمنية قد يدفع بعض الأشخاص إلى التعامل مع الاتصال باعتباره رسميا قبل التحقق من هوية صاحبه.
التزييف العميق يضيف تحديا جديدا
لفت تاباك إلى التطور المستمر للتكنولوجيا باعتباره أحد العوامل التي تزيد تعقيد المواجهة، خصوصا مع انتشار تقنيات التزييف العميق أو ما يعرف بـ”Deepfake”.
وتسمح هذه التقنيات بإنشاء تسجيلات صوتية أو مرئية تحاكي أشخاصا حقيقيين بدرجات متقدمة من الدقة، وهو ما يفتح الباب أمام استغلالها في عمليات الخداع وانتحال الهوية، إلى جانب استخدامها في نشر المحتويات المضللة.
وتشير نتائج استطلاعات أجرتها شركة “حوار الأقاليم”، بحسب المعطيات المقدمة، إلى أن 64 في المائة من المشاركين باتوا يعرفون مفهوم التزييف العميق، بعدما كانت النسبة في حدود 59 في المائة خلال شتنبر 2025، ما يعكس ارتفاع مستوى التعرف على هذه الظاهرة خلال عام واحد.
80 في المائة يقولون إنهم يواجهون معلومات غير موثوقة
لا يقتصر التحدي الرقمي على عمليات الاحتيال المالي وانتحال الصفات، إذ أظهرت المعطيات أن 80 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أفادوا بمواجهتهم معلومات غير موثوقة.
ويطرح هذا الرقم إشكالية تتجاوز التحقق من اتصال أو رسالة مشبوهة إلى قدرة المستخدمين على التمييز بين المحتوى الصحيح والمضلل داخل بيئة رقمية تشهد تدفقا متسارعا للمعلومات.
ويرى رئيس الشبكة العالمية لتقصي الحقائق أن مواجهة الوضع تمر أساسا عبر رفع مستوى الوعي الإعلامي لدى المواطنين وخلق بيئة قائمة على الثقة، مع التأكيد على بقاء المسؤولية الفردية عنصرا أساسيا عند التعامل مع المعلومات والاتصالات المشبوهة.
كيف تصبح الثقافة الرقمية خط الدفاع الأول؟
مع تطور أدوات الاحتيال، لم يعد الاعتماد على الشكل الظاهري للمكالمة أو هوية المتصل كافيا للتأكد من صحتها. فالمحتال يستطيع تقديم نفسه باسم مؤسسة معروفة، بينما يمكن للتقنيات الحديثة أن تزيد من واقعية الصوت أو الصورة المستخدمة في عملية الخداع.
لهذا يصبح التحقق المستقل من هوية المتصل، وعدم تقديم بيانات شخصية أو مصرفية استجابة لاتصال غير متوقع، وتجنب اتخاذ قرارات مالية تحت الضغط، من الممارسات الأساسية للحد من مخاطر الاحتيال.
كما أن انتحال صفة مؤسسة أمنية أو مالية لا يعني أن الاتصال صادر عنها فعليا، وهو ما يجعل العودة إلى القنوات الرسمية للمؤسسة المعنية وسيلة أكثر أمانا للتحقق من أي طلب أو ادعاء.
موسكو تستعد لمنتدى دولي حول المعلومات المضللة
تأتي هذه التحذيرات قبيل انعقاد المنتدى الدولي “حوار حول المزيفات 4.0″، المرتقب تنظيمه في موسكو يوم 22 شتنبر الجاري، حيث ينتظر أن تكون قضايا التضليل والتحقق من المعلومات والتحديات المرتبطة بالتكنولوجيا ضمن الملفات المطروحة للنقاش.
وتضم الشبكة العالمية لتقصي الحقائق خبراء ومنظمات تعمل في مجال التحقق من المعلومات، ويشارك في أنشطتها أكثر من 125 صحافيا يمثلون 55 دولة.
ويكشف تصاعد الاحتيال الإلكتروني في روسيا عن تحول أوسع في طبيعة المخاطر الرقمية، إذ لم تعد عمليات الخداع مرتبطة برسالة مشبوهة يسهل اكتشافها دائما، بل أصبحت تستفيد من الهندسة الاجتماعية وتقنيات الصوت والصورة الحديثة. أمام هذا التحول، تتزايد أهمية الوعي الرقمي والتحقق من هوية المتصل ومصدر المعلومات قبل منح الثقة أو اتخاذ أي خطوة مالية أو مشاركة بيانات شخصية.








