ياسر الرقاص
أماطت البعثة الأثرية المصرية اللثام عن مجمع معماري وعسكري متكامل داخل حصن “تل الأبقعين” بمركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة، ويكشف هذا الأثر عن التفاصيل الدقيقة لمنظومة الإعاشة والتخطيط العمراني وإدارة المعارك على الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة؛ حيث أظهرت التنقيبات أبعاد الجدار الدفاعي الأول الذي شيده الفراعنة لردع تحركات القبائل الليبية وحماية الدلتا من التهديدات القادمة من الصحراء الغربية.
وكشفت أعمال الحفائر عن تخطيط هندسي صارم داخل الحصن الممتد عبر الأسرة التاسعة عشرة؛ إذ عثر الباحثون على مجمع سكني من الطوب اللبن تتخلله شوارع شاسعة يصل عرض رئيسيها إلى أربعة أمتار، ويرتبط رأسا بالبوابة الجنوبية الضخمة المشيدة من الحجر الجيري.
ولم تكن هذه الحصون مجرد ثكنات للرماية، بل مراكز إعاشة مستقلة؛ حيث وضحت الدلائل وجود مخازن غلال تضم أواني فخارية بها بقايا قمح متفحم، وأفراناً أسطوانية لإعداد الخبز اليومي للجنود، بالإضافة إلى حجرات سكنية مقامة بجوار منطقة الآبار الحجرية التي نُقش على جدرانها ألقاب الملك رمسيس الثاني.
وفي مفاجأة أثرية تعكس مكانة العجلات الحربية في الجيش المصري القديم، عثرت البعثة على “دفنة تكريمية” مقصودة لحصان ذكر شاب من سلالة خفيفة السير، وبجواره قطع أسطوانية فاخرة من الألباستر والحجر الجيري كانت تستخدم لترصيع عُدة الخيل والعربة القتالية.
وعلى الصعيد العقائدي والسياسي، ضمت المكتشفات لوحة هيراطيقية للملك مرنبتاح تشيد ببسالته القتالية، إلى جانب نقش يصور أسيرا مقيدا تنتمي ملامحه إلى قبائل “المشوش” الليبية. كما عثر على تمائم وجعارين تحمل ألقاب الملكين سيتي الأول ورمسيس الثاني، وأدوات غزل وموازين وزجاجات فخارية كانت تستخدم في الأسفار والتبرك، مما يرسم صورة حية متكاملة تدمج بين صرامة الانضباط العسكري وثراء الحياة اليومية للمقاتل المصري القديم.
ويذكر أن موقع “تل الأبقعين” يمثل أحد أهم المحطات الدفاعية على خط الثغور الغربية للدلتا، والذي استمر دوره الاستراتيجي منذ العصر الفرعوني وحتى العصور اليونانية الرومانية، وتواصل الفرق الأثرية حاليا عمليات التوثيق الميداني والرفع المساحي لاستكمال استكشاف الأجزاء المتبقية من الحصن، تمهيدا لوضعه على خريطة السياحة الثقافية والاستكشافية بالمحافظة.






