كوثر بوجوال
حذرت منظمة «ماتقيش ولدي» من إشراك الأطفال في الأنشطة والتجمعات والحملات الانتخابية، مؤكدة أن استغلال حضورهم أو صورهم في الدعاية السياسية يمثل تجاوزاً لا يمكن تبريره بأي هدف انتخابي، حتى عندما يقدم في صورة مشاركة عفوية أو حضور عائلي.
وأعربت المنظمة عن قلقها إزاء ممارسات مرصودة خلال الحملة الانتخابية، تتعلق بتوظيف الأطفال وبراءتهم في الترويج للمرشحين واللوائح أو التأثير على الناخبين واستدرار تعاطفهم.
وأكدت أن الطفل لا يمكن أن يتحول إلى أداة اتصال سياسي أو وسيلة لتحسين صورة مرشح، لأن مشاركته في مثل هذه الأنشطة تضعه داخل منافسة لا يمتلك القدرة القانونية أو المعرفية على فهم أبعادها واتخاذ موقف مستقل بشأنها.
وشددت المنظمة على أن حماية الطفل وكرامته ومصلحته الفضلى يجب أن تبقى فوق جميع الحسابات السياسية والانتخابية، داعية الأحزاب والمرشحين والفاعلين المشاركين في الحملة إلى الامتناع عن استخدام القاصرين في المواد الدعائية والتجمعات والمحتويات المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
الأطفال خارج المنافسة الانتخابية
يركز موقف «ماتقيش ولدي» على الفصل بين حق الأطفال في التربية المدنية والتعرف على المؤسسات، وبين الزج بهم في حملة تهدف إلى إقناع الناخبين بالتصويت لحزب أو مرشح معين.
فالتربية على المواطنة يمكن أن تتم داخل المدرسة أو الأسرة من خلال شرح طريقة عمل المؤسسات وأهمية المشاركة واحترام الاختلاف، لكن الدعاية الانتخابية تقوم على المنافسة السياسية والسعي إلى كسب الأصوات، وهي مساحة لا ينبغي تحميل الأطفال تبعاتها.
ويزداد الإشكال تعقيداً عندما تُلتقط صور الأطفال إلى جانب المرشحين أو داخل تجمعاتهم، ثم تُنشر على نطاق واسع في المنصات الرقمية. ففي هذه الحالة، لا يعود حضور الطفل محدوداً بزمان ومكان النشاط، بل يتحول إلى محتوى قابل للتداول وإعادة الاستخدام والتعليق عليه.
كما أن موافقة الأسرة على التقاط الصورة لا تعني بالضرورة أن الطفل يدرك طبيعة استخدامها أو الآثار التي قد تترتب على بقائها في الفضاء الرقمي. ولهذا ترتبط حماية القاصرين أيضاً بضرورة احترام خصوصيتهم وعدم إدراج صورهم في مواد حزبية من دون ضمانات واضحة.
الصورة العاطفية وسيلة للتأثير على الناخب
يمتلك حضور الأطفال في الحملات قدرة كبيرة على إثارة التعاطف، لأن صورتهم ترتبط عادة بالبراءة والمستقبل والأمل. وقد يدفع ذلك بعض الفاعلين إلى استخدامهم داخل الملصقات أو التجمعات أو مقاطع الفيديو لبناء صورة إنسانية حول المرشح.
غير أن هذا الاستخدام، وإن ظهر بسيطاً، يحول الطفل إلى عنصر ضمن استراتيجية تواصلية تستهدف التأثير على الجمهور. فالرسالة لا تركز حينها على البرنامج الانتخابي أو كفاءة المرشح، بل تستخدم التأثير العاطفي لتعويض ضعف الحجة السياسية.
ومن هذا المنطلق، أكدت المنظمة أن الأطفال ليسوا وسيلة للدعاية، ولا يجوز تحويل حضورهم إلى أداة لاستمالة الناخبين أو الترويج لصورة أي مرشح أو لائحة.
وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة مع اتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في الحملات، حيث تسعى الفرق الإعلامية إلى إنتاج صور ومقاطع قصيرة قادرة على الانتشار السريع، وقد تصبح صور الأطفال جزءاً من هذا السباق على المشاهدات والتفاعل.
مسؤولية الأحزاب والمرشحين
طالبت «ماتقيش ولدي» جميع الأحزاب والمرشحين والفاعلين الانتخابيين بالامتناع عن إشراك الأطفال في أي نشاط يحمل طابعاً دعائياً، سواء تعلق الأمر بالتجمعات أو المسيرات أو الزيارات الميدانية أو الصور والفيديوهات المنشورة عبر الحسابات الرسمية والشخصية.
وتقع المسؤولية الأولى على الجهات المنظمة للحملة، لأنها تتحكم في طبيعة الأنشطة وفي المواد التي تُنتج للنشر. ولذلك لا يكفي القول إن الطفل حضر بمبادرة من أسرته، ما دام المرشح أو حزبه قرر تصويره أو إدراج ظهوره ضمن المحتوى الانتخابي.
كما يفترض بالأحزاب توجيه أعضائها وفرق حملاتها المحلية إلى احترام حقوق الطفل، لأن المخالفات قد تقع خلال أنشطة صغيرة بعيداً عن المقرات المركزية، أو بسبب غياب توجيهات واضحة بشأن التصوير والنشر.
ويمكن للتنظيمات السياسية اعتماد قواعد داخلية تمنع تصوير القاصرين لأغراض انتخابية، وتلزم فرق التواصل بمراجعة المواد قبل نشرها، مع حذف أي محتوى قد يمس خصوصية الأطفال أو يوظفهم في المنافسة الحزبية.
الممارسة الديمقراطية تبدأ باحترام الحقوق
ربطت المنظمة بين جودة الممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الأطفال، معتبرة أن الانتخابات لا تمنح الفاعلين السياسيين حق تجاوز الضوابط القانونية والأخلاقية.
فالانتخابات يفترض أن تكون مجالاً للتنافس بالبرامج والأفكار والحصيلة، وليس مناسبة لاستخدام فئات لا تملك حق التصويت ولا القدرة على الدفاع عن نفسها أمام أي استغلال محتمل.
كما أن حماية الأطفال من التجاذبات السياسية لا تعني إبعادهم عن المعرفة بالشأن العام، بل تعني تقديم هذه المعرفة في إطار تربوي ومحايد يحترم عمرهم ودرجة وعيهم.
وتصبح هذه الحماية أكثر ضرورة عندما تحتدم المنافسة، لأن ارتفاع الضغط الانتخابي والرغبة في لفت الانتباه قد يدفعان بعض الحملات إلى اعتماد وسائل تواصل عاطفية، من دون تقدير كافٍ لتأثيرها في الأشخاص الذين يظهرون داخلها.
الأسر مطالبة باليقظة
وجهت «ماتقيش ولدي» دعوتها أيضاً إلى الأسر والفاعلين المدنيين والهيئات المعنية بحماية الطفولة، مطالبة إياهم باليقظة والتصدي لكل أشكال الاستغلال الانتخابي للأطفال.
وتؤدي الأسرة دوراً أساسياً في حماية الطفل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالموافقة على مشاركته في نشاط عام أو تصويره ونشر صورته. وينبغي للأولياء التأكد من طبيعة المناسبة والجهة المنظمة والغرض من التصوير والفضاءات التي ستنشر فيها الصور.
وقد يحضر الطفل تجمعاً رفقة أفراد أسرته من دون أن يكون مشاركاً فعلياً في الحملة، لكن وضعه في مقدمة الصفوف أو منحه شعاراً حزبياً أو تصويره إلى جانب مرشح ينقل حضوره من المجال العائلي إلى الدعاية السياسية.
كما أن ارتداء الأطفال ألواناً أو شعارات مرتبطة بحزب معين قد يجعلهم هدفاً للتعليقات أو السخرية أو الاستقطاب، خاصة إذا انتشرت صورهم على نطاق واسع.
دور المجتمع المدني في الرصد والتوعية
لا تقتصر مهمة الهيئات الحقوقية على إصدار البلاغات بعد وقوع التجاوزات، بل تشمل أيضاً توعية الأسر والمرشحين وفرق الحملات بالضوابط المرتبطة بحماية القاصرين.
ويمكن للفاعلين المدنيين رصد المواد الانتخابية المنشورة، والتنبيه إلى الحالات التي يظهر فيها استغلال واضح للأطفال، مع توجيه الشكايات إلى الجهات المختصة عند الضرورة.
كما يمكن إطلاق حملات توعوية تشرح الفرق بين المشاركة المدنية والتوظيف الدعائي، وتدعو إلى حماية صور الأطفال وبياناتهم الشخصية داخل الفضاء الرقمي.
ويحتاج هذا العمل إلى مقاربة تحمي الطفل من دون تحويله بدوره إلى مادة للجدل. لذلك ينبغي تجنب إعادة نشر الصور المخالفة على نطاق واسع عند التنديد بها، لأن ذلك قد يضاعف الضرر الذي تعرض له القاصر.
احترام القانون لا ينفصل عن المسؤولية الأخلاقية
طالبت المنظمة باحترام المقتضيات القانونية والحقوقية المتعلقة بحماية الأطفال، وضمان عدم استخدامهم بأي صورة كأدوات للدعاية أو المنافسة الانتخابية.
وأوضحت أن احترام الطفولة ليس مجرد التزام قانوني، بل مسؤولية أخلاقية ومجتمعية مشتركة. فحتى في الحالات التي لا يوجد بشأنها نص تفصيلي مباشر، تظل المصلحة الفضلى للطفل معياراً أساسياً لتقييم السلوك.
ويعني ذلك أن على المرشح أو الحزب أن يسأل قبل نشر أي صورة ما إذا كان ظهور الطفل ضرورياً، وما الرسالة التي يؤديها، وهل يمكن تقديم المحتوى نفسه من دونه، وما الضرر المحتمل الذي قد يلحق به.
كما يفترض التفكير في مستقبل الصورة، لأنها قد تبقى متاحة بعد انتهاء الانتخابات بسنوات، في وقت لا يمتلك فيه الطفل القدرة على سحبها من جميع الصفحات والحسابات التي أعادت تداولها.
حماية الطفولة اختبار لمصداقية الخطاب السياسي
جددت منظمة «ماتقيش ولدي» دعوتها إلى تبني ممارسات مسؤولة تضع حقوق الطفل وكرامته فوق كل اعتبار، مؤكدة رفضها استغلال الأطفال في الحملات الانتخابية.
ويضع هذا الموقف الأحزاب والمرشحين أمام اختبار يرتبط بمصداقية خطابهم. فمن يدافع في برنامجه عن الأسرة والتعليم وحماية الطفولة، مطالب بإظهار الالتزام بهذه المبادئ داخل حملته وطريقة تواصله.
ولا تحتاج المنافسة السياسية إلى صورة طفل حتى تكون مقنعة، بل إلى برامج واضحة وحجج قابلة للنقاش وحصيلة يمكن تقييمها. أما توظيف البراءة لاستدرار التعاطف، فيكشف عن ضعف في الرسالة أكثر مما يعزز صورة المرشح.
وتظل حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسر والأحزاب والسلطات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. فالهدف ليس فقط إبعادهم عن منصة انتخابية مؤقتة، بل ضمان عدم تحويل صورهم ووجودهم إلى أدوات في صراع لا يشاركون في صنعه ولا يملكون حق التصويت فيه.








