كوثر بوجوال
تستعد جهة الدار البيضاء سطات لاحتضان منصة صناعية ولوجيستيكية مندمجة جديدة بمنطقة أولاد صالح، جنوب الدار البيضاء، بعد موافقة الحكومة على إحداث شركة برأسمال يبلغ 500 مليون درهم، ستتولى تطوير المشروع وتهيئته وتسويق مرافقه وتدبيرها.
ويأتي المشروع في سياق ارتفاع الطلب على المناطق المخصصة للأنشطة الصناعية واللوجيستيكية داخل أكبر جهة اقتصادية في المملكة، والحاجة إلى توفير بنية حديثة تستوعب توسع المقاولات وتدعم حركة السلع وترفع تنافسية الاقتصاد الجهوي.
وصدر المرسوم رقم 2.26.167 في 22 ربيع الأول 1448، الموافق لـ4 شتنبر 2026، متضمناً الإذن بإحداث «الشركة المغربية للمنشآت اللوجيستيكية لجهة الدار البيضاء سطات»، بشراكة بين الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية ومجلس جهة الدار البيضاء سطات.
ويرسم المشروع ملامح مرحلة جديدة في تنظيم الأنشطة الاقتصادية جنوب الدار البيضاء، من خلال إنشاء فضاء مندمج يجمع بين التجهيزات اللوجيستيكية والبنايات المخصصة للأنشطة الصناعية والخدمات الاقتصادية المرتبطة بها.
شركة جديدة برأسمال 500 مليون درهم
سيبلغ رأسمال الشركة الجديدة 500 مليون درهم، أي ما يعادل 50 مليار سنتيم، وستساهم فيه الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية بنسبة 80 في المائة، مقابل حصة تبلغ 20 في المائة لمجلس جهة الدار البيضاء سطات.
وباحتساب هذه النسب، ستبلغ مساهمة الوكالة في رأسمال الشركة 400 مليون درهم، بينما تصل مساهمة الجهة إلى 100 مليون درهم. غير أن المساهمة الإجمالية لمجلس الجهة في المشروع ستبلغ 150 مليون درهم، بينها 50 مليون درهم ستقدم في صورة إعانة.
أما الكلفة الإجمالية المتوقعة لإنجاز المنصة، فقد حددتها الوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية في نحو 550 مليون درهم، ما يعكس حجم التجهيزات والأشغال المطلوبة لإعداد مساحة قادرة على استقبال أنشطة لوجيستيكية وصناعية متعددة.
وستتولى الشركة تطوير الأراضي وتهيئتها، إلى جانب تشييد مختلف التجهيزات والبنايات وتسويقها واستغلالها وتدبيرها. كما ستشرف على المرافق الموجهة للأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع والخدمات الصناعية.
أولاد صالح تستقطب مشروعاً استراتيجياً
وقع الاختيار على منطقة أولاد صالح، التابعة لإقليم النواصر، لاحتضان المنصة الجديدة، بالنظر إلى موقعها جنوب الدار البيضاء وقربها من المحاور الاقتصادية والبنيات الأساسية التي تخدم حركة النقل والإنتاج داخل الجهة.
ويمكن للموقع أن يؤدي دوراً في تخفيف الضغط عن بعض المناطق الصناعية واللوجيستيكية القائمة، خصوصاً مع التوسع العمراني والاقتصادي الذي تعرفه الدار البيضاء وضواحيها، وما يرافقه من ارتفاع الطلب على العقار المجهز.
ولا يتعلق المشروع بإحداث منطقة للتخزين فقط، بل بمنصة مندمجة يفترض أن توفر للمقاولات مرافق حديثة ومساحات منظمة وخدمات تساعدها على تقليص كلفة العمليات وتحسين سلاسل التوريد.
وتكتسي البنيات اللوجيستيكية أهمية متزايدة في تنافسية المدن والجهات، لأنها تتحكم في سرعة نقل المواد الأولية والمنتجات، وفي كلفة التخزين والتوزيع والوصول إلى الأسواق. وكلما كانت هذه البنيات منظمة ومتصلة بشبكات النقل، ارتفعت قدرة المقاولات على الإنتاج والتوسع.
شراكة تجمع مؤسسات وطنية ومحلية
يستند مشروع منصة أولاد صالح إلى اتفاقية شراكة متعددة الأطراف وُقعت خلال يوليوز 2024، وحددت مجالات التعاون والتزامات المؤسسات المشاركة في إنجاز المشروع.
وشملت الاتفاقية وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة النقل واللوجيستيك، وولاية جهة الدار البيضاء سطات، ومجلس الجهة، والوكالة الحضرية للدار البيضاء، وعمالة إقليم النواصر، ومجلس جماعة أولاد صالح، والوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية، إضافة إلى الاتحاد العام لمقاولات المغرب.
ويعكس تعدد الأطراف طبيعة المشروع، الذي يتطلب التنسيق بين التخطيط الترابي والتمويل والتعمير والنقل والاستثمار وتدبير العقار. كما أن مشاركة ممثلي القطاع الخاص توفر إمكانية مواءمة العرض الجديد مع الحاجيات الفعلية للمقاولات.
ومن أجل تحويل الاتفاقية إلى آلية تنفيذية، تقرر إحداث الشركة الجديدة بين الوكالة ومجلس جهة الدار البيضاء سطات، حتى تتولى تدبير المشروع وفق إطار قانوني ومالي مستقل.
وسيساعد هذا النموذج على توحيد المسؤولية المتعلقة بالتطوير والتسويق والاستغلال، بدلاً من توزيع هذه المهام بين جهات متعددة، وهو ما قد يمنح المشروع قدرة أكبر على التفاعل مع حاجيات المستثمرين ومتابعة الأداء المالي والتقني للمنصة.
مصادقات سبقت الإذن الحكومي
مر إحداث الشركة بعدد من المراحل المؤسساتية قبل صدور الإذن الحكومي. فقد صادق المجلس الإداري للوكالة المغربية لتنمية الأنشطة اللوجيستيكية، خلال اجتماعه المنعقد يوم 23 يوليوز 2025، على تأسيس الشركة.
كما وافق مجلس جهة الدار البيضاء سطات، خلال دورته العادية لشهر أكتوبر 2025، على مساهمة الجهة في رأسمال الشركة المزمع إحداثها.
وجاء المرسوم الحكومي ليستكمل المسار القانوني للمشروع، استناداً إلى أهدافه الاستراتيجية المتعلقة بتعزيز تنافسية المملكة والاستجابة إلى الطلب المتزايد على المناطق الصناعية واللوجيستيكية داخل الجهة.
واستند الإذن أيضاً إلى المادة الثامنة من القانون رقم 39.89، المأذون بموجبه في تحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص، والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.90.01 بتاريخ 15 رمضان 1410، الموافق لـ11 أبريل 1990، كما وقع تغييره وتتميمه.
وصدر المرسوم باقتراح من وزيرة الاقتصاد والمالية، التي أُسند إليها تنفيذ مقتضياته بعد نشره في الجريدة الرسمية.
منصة لدعم الاستثمار وخلق فرص الشغل
يهدف المشروع إلى الرفع من التنافسية اللوجيستيكية والاقتصادية لجهة الدار البيضاء سطات، بالتوازي مع جذب استثمارات جديدة وخلق فرص للشغل وتوفير عرض يستجيب لحاجيات المقاولات.
وتستقطب الجهة جزءاً مهماً من النشاط الصناعي والتجاري الوطني، ما يجعل جودة البنيات اللوجيستيكية عاملاً حاسماً في الحفاظ على جاذبيتها. فالمقاولات لا تبحث فقط عن الوعاء العقاري، بل تحتاج إلى مناطق مجهزة وقريبة من شبكات النقل والأسواق ومراكز الاستهلاك.
ومن شأن المنصة الجديدة أن توفر فضاءً أكثر تنظيماً للأنشطة المرتبطة بالتخزين والتوزيع والخدمات الصناعية، وأن تساعد على تجميع عدد من العمليات داخل منطقة واحدة، بما يقلص التنقلات العشوائية ويرفع كفاءة تدفق السلع.
كما يمكن للمشروع أن يسهم في تنشيط محيط أولاد صالح من خلال جذب المقاولات وتوفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، ورفع الطلب على خدمات النقل والصيانة والتجهيز والأمن والمطاعم وغيرها من الأنشطة المساندة.
غير أن الأثر الحقيقي للمشروع سيظل مرتبطاً بسرعة استكمال عمليات التهيئة، وجودة التجهيزات، والأسعار والشروط التي ستُعرض على المستثمرين، ومدى قدرة المنصة على الاندماج مع باقي البنيات الاقتصادية في الجهة.
جواب عن الضغط المتزايد على العقار الصناعي
يأتي المشروع في وقت تعرف فيه جهة الدار البيضاء سطات طلباً متنامياً على المناطق الصناعية واللوجيستيكية، بفعل توسع الأنشطة الاقتصادية وارتفاع الحاجة إلى مستودعات ومساحات إنتاج وتوزيع مجهزة.
ويفرض هذا الطلب تطوير مناطق جديدة بدل ترك الأنشطة تنمو بصورة مشتتة، لما لذلك من آثار على حركة المرور واستعمال العقار وجودة الخدمات. وتسمح المنصات المندمجة بتجميع الأنشطة وفق تخطيط مسبق، مع توفير الطرق والشبكات والمرافق اللازمة.
كما تساعد هذه المشاريع على تحسين شروط استقرار المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة منها، التي قد تواجه صعوبات في الحصول على عقار ملائم ومجهز بالقرب من المراكز الاقتصادية.
ويُنتظر أن تدعم منصة أولاد صالح موقع الدار البيضاء سطات كقطب للإنتاج والتوزيع، وأن ترفع قدرتها على استقطاب استثمارات تبحث عن بيئة تتوفر فيها البنيات الصناعية والخدمات اللوجيستيكية داخل مجال متكامل.
مداخيل مرتقبة بقيمة 800 مليون درهم
يتوقع مخطط أعمال الشركة أن يصل مجموع مداخيلها خلال الفترة الممتدة من 2025 إلى 2049 إلى حوالي 800 مليون درهم، مقابل أرباح منتظرة في حدود 55 مليون درهم.
كما يقدر المخطط نسبة المردودية الداخلية للمشروع بنحو 7.2 في المائة، وهي نسبة تعكس الطابع طويل الأمد للاستثمار، بالنظر إلى أن تجهيز المنصة وتسويقها واستغلالها يمتد على سنوات.
ولا تقاس جدوى المشروع بالمردودية المالية للشركة فقط، لأن المنصة تحمل أهدافاً اقتصادية وترابية تشمل خلق فرص الشغل وجذب المقاولات وتوفير العقار الصناعي وتقليص كلفة الخدمات اللوجيستيكية.
وتعني المداخيل المتوقعة أن النموذج الاقتصادي للمشروع يعتمد على تطوير الأراضي والتجهيزات وتسويقها واستغلال البنايات والمرافق، بما يسمح للشركة بتحقيق موارد تغطي جانباً من تكاليفها وتحافظ على استمرارية تدبير المنصة.
رهانات التنفيذ والتسويق
ينتقل المشروع، بعد صدور المرسوم، من مرحلة التأسيس القانوني والمؤسساتي إلى مرحلة تتطلب تسريع الإجراءات العملية المرتبطة بإحداث الشركة وإعداد العقار وإطلاق التهيئة والتسويق.
وسيكون نجاح المنصة مرتبطاً بقدرتها على جذب مقاولات قادرة على خلق القيمة وفرص العمل، وليس فقط شغل المساحات المتوفرة. كما ستكون جودة الربط بشبكات النقل وتوفر الخدمات الأساسية عاملين رئيسيين في تحديد جاذبية الموقع.
ويطرح المشروع أيضاً رهان التنسيق بين المؤسسات الموقعة على اتفاقية يوليوز 2024، لأن تهيئة منصة بهذا الحجم تتطلب انسجاماً بين وثائق التعمير والتجهيزات الخارجية والمساطر الإدارية والتمويل والتسويق.
ويمثل إحداث الشركة المغربية للمنشآت اللوجيستيكية لجهة الدار البيضاء سطات خطوة عملية لإطلاق المشروع، لكن الأثر الاقتصادي المنتظر سيقاس بمستوى الإنجاز على الأرض، وعدد الاستثمارات المستقطبة، وفرص الشغل المحدثة، وقدرة المنصة على تحسين تنافسية الجهة خلال السنوات المقبلة.





