هجر إمغري
يستأنف المغرب ابتداء من اليوم الأربعاء عمليات استيراد القمح اللين من الأسواق الخارجية، في خطوة تأتي في ظرفية دقيقة تجمع بين ارتفاع الأسعار في السوق الدولية، وتزايد الطلب العالمي، وتراجع المخزون المحلي، إلى جانب اشتداد المنافسة على الشحنات المتاحة في الأسواق الأوروبية.
وتتحرك المطاحن والمستوردون المغاربة خلال هذه المرحلة بحذر، بعدما أصبحت تكلفة الحصول على القمح أكثر ارتفاعا مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يجعل قرارات الشراء مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الأسعار العالمية وبمدى الحاجة الفعلية إلى المادة الخام خلال الأسابيع المقبلة.
ويتركز الاهتمام المغربي حاليا على عدد من الأسواق الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا وبولونيا وليتوانيا وألمانيا، باعتبارها من الوجهات التي يمكن الاعتماد عليها لتأمين حاجيات السوق الوطنية من القمح اللين المخصص للطحن. وفي المقابل، يظل اللجوء إلى بعض المناطق الأخرى، وعلى رأسها منطقة البحر الأسود، محدودا في الظرفية الحالية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه سوق القمح الدولية منافسة متزايدة بين الدول المستوردة، بعدما دخلت الجزائر بدورها إلى السوق من خلال طلبات شراء جديدة، وهو ما قد يرفع الضغط على الكميات المتاحة ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، خصوصا عندما تتزامن عمليات الشراء من جانب عدد من الدول في فترة زمنية متقاربة.
وتسعى الجزائر بدورها إلى تأمين حاجياتها من القمح اللين المخصص للطحن، بعدما طرحت طلبا دوليا لشراء كمية معلنة في حدود 50 ألف طن، مع إمكانية أن تتجاوز الكمية النهائية هذا الرقم، بالنظر إلى طبيعة المشتريات التي اعتادت القيام بها في الأسواق الدولية.
ويعني هذا الوضع أن المغرب لا يتحرك في سوق هادئة أو مستقرة، بل يواجه منافسة خارجية في وقت تحتاج فيه المطاحن الوطنية إلى ضمان إمدادات منتظمة من القمح. كما أن ارتفاع الأسعار العالمية يجعل هامش المناورة أمام المستوردين أكثر ضيقا، خصوصا في ظل محدودية الدعم المخصص لتغطية جزء من تكاليف الاستيراد.
وتزداد أهمية عامل التوقيت في هذه المرحلة، إذ إن الاستفادة من المنحة المخصصة لدعم استيراد القمح اللين ترتبط بالشحنات التي تنطلق ابتداء من السادس عشر من شتنبر الجاري. وبذلك، فإن وصول الكميات المستوردة إلى الموانئ الوطنية لن يكون فوريا، بل يحتاج إلى فترة زمنية تتراوح في المتوسط بين ثمانية وعشرة أيام بحسب ظروف النقل ومسار الرحلات البحرية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النصف الثاني من شهر شتنبر لن يعرف تدفقا كبيرا للسفن المحملة بالقمح، إذ يرتقب أن تظل عمليات الوصول محدودة خلال هذه الفترة، خصوصا بالنسبة إلى الفاعلين الذين لا يزالون قادرين على تدبير حاجياتهم من المخزونات المتوفرة لديهم.
وفي المقابل، ينتظر أن ترتفع وتيرة وصول الشحنات خلال بداية شهر أكتوبر، مع دخول عمليات الاستيراد مرحلة أكثر نشاطا، وهو ما قد يوفر للمطاحن كميات إضافية من المادة الخام ويساعد على تأمين حاجيات السوق في ظل محدودية المحصول المحلي.
ويكشف مستوى الأسعار العالمية بدوره عن حجم التحدي الذي يواجه المستوردين المغاربة، إذ أصبحت تكلفة القمح المستورد مرتفعة بشكل يجعل عمليات الشراء تحتاج إلى حسابات دقيقة، خاصة أن السعر النهائي لا يرتبط فقط بثمن القمح في بلد المنشأ، وإنما يتأثر أيضا بالنقل والتأمين ومصاريف الشحن والعوامل المرتبطة بالسوق الدولية.
وتبرز أوروبا في الوقت الراهن باعتبارها الخيار الأكثر ارتباطا بالسوق المغربية، حيث تبلغ التكلفة الواصلة للقمح الأوروبي إلى المغرب حوالي 310 يورو للطن، بينما يصبح الاستيراد من أمريكا الشمالية أكثر كلفة، مع زيادة تقدر بحوالي 20 دولارا للطن مقارنة بالقمح القادم من السوق الأوروبية.
ويفسر هذا الفارق في التكلفة توجه المستوردين المغاربة نحو الأسواق الأوروبية، خصوصا فرنسا وبولونيا وليتوانيا وألمانيا، في محاولة لتحقيق قدر من التوازن بين الحاجة إلى تأمين القمح وبين الحفاظ على تكلفة استيراد يمكن تحملها في ظل الظرفية الحالية.
غير أن ارتفاع الأسعار ليس التحدي الوحيد الذي يضغط على السوق المغربية، إذ تبرز أيضا محدودية المخزون الوطني كعامل أساسي في تحديد حجم الاستيراد خلال المرحلة المقبلة. ويقدر المخزون المتوفر من المحصول الوطني بنحو 6.5 ملايين قنطار، وهو مستوى يجعل اللجوء إلى الأسواق الخارجية أمرا ضروريا لتغطية حاجيات المطاحن وضمان استمرار الإمدادات.
ويأتي ذلك بعدما شهدت البلاد خلال الفترة الماضية ظروفا صعبة أثرت على الإنتاج الفلاحي، وهو ما انعكس على حجم المحاصيل المحلية المتاحة، وجعل تأمين القمح من الأسواق الدولية جزءا مهما من معادلة تزويد السوق الوطنية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن المطاحن أمام مرحلة تتطلب تدبيرا دقيقا للمخزون والمشتريات، خاصة أن ارتفاع الأسعار الدولية قد يحد من قدرة بعض الفاعلين على تكثيف الاستيراد، بينما تفرض حاجيات السوق في المقابل ضرورة الحفاظ على تدفقات منتظمة من القمح اللين.
ويزداد الضغط أيضا مع ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، إضافة إلى استمرار مستويات مرتفعة للأسعار في بعض الأسواق المصدرة، ومن بينها السوق الأوكرانية التي بلغ سعر القمح فيها حوالي 321 دولارا للطن، وهو ما يضيف عاملا جديدا إلى فاتورة الاستيراد ويؤثر على حسابات المستوردين.
ويحاول المغرب، في هذا السياق، الاستفادة من الدعم المخصص لاستيراد القمح اللين، إلا أن قيمة الدعم المحددة في 20.80 درهما لا تغطي، وفق المعطيات المتداولة في القطاع، كامل الفارق الذي تحتاجه عمليات الاستيراد في ظل الأسعار الحالية، إذ تقدر القيمة التي يتطلع الفاعلون إلى تغطيتها بحوالي 43.50 درهما.
وتعكس هذه الأرقام اتساع الفجوة بين تكلفة الاستيراد في السوق الدولية وبين مستوى الدعم المتاح، وهو ما قد يدفع بعض المطاحن إلى اعتماد سياسة أكثر حذرا في الشراء، والاكتفاء في البداية بالكميات الضرورية لتغطية الاحتياجات العاجلة، في انتظار اتضاح اتجاهات الأسعار العالمية.
ومع ذلك، فإن عودة القمح الأوروبي إلى المغرب تشكل محطة مهمة في تدبير الإمدادات خلال الفترة المقبلة، خصوصا بعد قرار استئناف دعم الاستيراد ابتداء من 16 شتنبر الجاري إلى غاية 31 دجنبر المقبل، عقب تعليق العمل بهذا الإجراء خلال شهر يونيو.
وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة بالنسبة إلى السوق الوطنية، إذ ستتحدد خلالها وتيرة وصول السفن وحجم الكميات المستوردة ومدى قدرة الفاعلين على التعامل مع الأسعار العالمية. كما سيكون مستوى الطلب الدولي عاملا مؤثرا في تحديد اتجاهات السوق، خاصة إذا واصلت الدول المستوردة رفع مشترياتها من الأسواق الأوروبية.
وبين ضعف المخزون المحلي وارتفاع كلفة القمح في الأسواق الدولية واشتداد المنافسة الخارجية، يدخل المغرب مرحلة جديدة من تدبير واردات القمح اللين، حيث ستكون الأولوية بالنسبة إلى الفاعلين هي ضمان استمرار الإمدادات دون تحميل السوق تكاليف إضافية أكبر.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه أن تبدأ التدفقات المهمة للشحنات المستوردة مع حلول أكتوبر، تظل الأنظار متجهة إلى تطورات الأسعار الدولية وحركة الطلب في الأسواق الكبرى، باعتبارهما عنصرين أساسيين في تحديد تكلفة القمح الذي سيصل إلى المغرب خلال الأشهر المقبلة.
ويؤكد هذا الوضع أن سوق القمح لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنتاج الوطني، وإنما أصبحت تتأثر بشكل مباشر بالتغيرات التي تعرفها الأسواق الدولية، وبالمنافسة بين الدول المستوردة، وبأسعار النقل والتأمين، فضلا عن السياسات التي تعتمدها الحكومات لتأمين المواد الغذائية الأساسية.
وبذلك، يعود القمح الأوروبي إلى السوق المغربية في ظرفية تتسم بالحذر، بعدما فرضت الأسعار المرتفعة والمخزون المحدود والمنافسة الدولية على المستوردين إعادة حساباتهم، بينما ينتظر المستهلك المغربي أن تظل إمدادات القمح مستقرة وأن تتمكن السوق الوطنية من تجاوز الضغوط الخارجية بأقل تكلفة ممكنة.







