إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

الفيدرالي الأمريكي يرفع الفائدة مجددا ويشدد الخناق على التضخم

20:10 · 16/09/2026

هجر إمغري

رفع الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، الأربعاء، ليدخل النطاق المستهدف الجديد بين 3.75 و4 في المائة، في قرار يعكس عودة الضغوط التضخمية إلى صدارة الحسابات النقدية في الولايات المتحدة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التشدد في السياسة المالية والنقدية بعد فترة طويلة من الاستقرار النسبي في أسعار الفائدة. ويعد هذا الرفع الأول من نوعه منذ صيف 2023، ما يمنح القرار أهمية خاصة بالنسبة للأسواق والمستثمرين والأسر الأمريكية التي تتابع عن كثب اتجاه كلفة الاقتراض ومستقبل الأسعار.

ويأتي القرار في وقت لم يتمكن فيه التضخم من العودة إلى المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي الأمريكي، إذ ظل معدل ارتفاع الأسعار أعلى بكثير من نسبة 2 في المائة التي يعتمدها الفيدرالي كهدف طويل الأمد. وتشير أحدث المعطيات التي استند إليها صناع السياسة النقدية إلى استمرار الضغوط السعرية، وهو ما جعل إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير خيارا أقل انسجاما مع الرغبة في إعادة التضخم إلى مساره المستهدف خلال الفترة المقبلة.

ويعكس هذا التحول محاولة جديدة من البنك المركزي للضغط على الطلب الداخلي، بعدما أظهرت المؤشرات الاقتصادية أن النشاط لم يتراجع بالقدر الذي كان يمكن أن يخفف الضغوط على الأسعار. فعندما ترتفع تكلفة الاقتراض، تصبح القروض والتمويل والاستثمارات أكثر كلفة، وهو ما يمكن أن يؤدي تدريجيا إلى تقليص الإنفاق والطلب، وبالتالي الحد من قدرة الأسعار على مواصلة الارتفاع بالمعدلات نفسها.

وفي المقابل، لا يتعلق النقاش داخل الولايات المتحدة بالتضخم وحده، بل يمتد أيضا إلى مستقبل النمو وسوق الشغل. فقد رفع الفيدرالي توقعاته للنمو الاقتصادي خلال الربع الأخير من العام إلى 2.3 في المائة، مقابل 2.2 في المائة في تقديراته السابقة، فيما يتوقع بقاء معدل البطالة عند حدود 4.1 في المائة. وتكشف هذه الأرقام عن اقتصاد لا يزال يحتفظ بقدر من القوة، الأمر الذي يمنح صناع القرار مساحة للتحرك ضد التضخم من دون أن تكون المخاوف المتعلقة بالتباطؤ الاقتصادي هي العامل الوحيد الحاسم في القرار.

وبالتوازي مع رفع الفائدة، حملت التوقعات الجديدة للفيدرالي إشارة مهمة بشأن الأشهر المقبلة، بعدما أظهرت تقديرات المسؤولين احتمال تنفيذ زيادة إضافية قبل نهاية 2026. ووفقا للتوقعات المحدثة، قد يصل نطاق سعر الفائدة إلى ما بين 4 و4.25 في المائة مع نهاية العام، ما يعني أن قرار الأربعاء قد لا يكون نهاية دورة التشدد النقدي، بل جزءا من مسار أوسع يرتبط بما ستكشفه بيانات التضخم والنمو وسوق العمل خلال الفترة المقبلة.

وتزداد أهمية هذه الإشارة مع استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، إذ يتوقع الفيدرالي أن ينهي العام عند معدل يقارب 3.7 في المائة، وهو مستوى لا يزال بعيدا عن هدف 2 في المائة. كما أظهرت التقديرات الجديدة أن الوصول إلى الهدف قد يستغرق وقتا أطول مما كان متوقعا، في ظل استمرار عوامل تضغط على الأسعار، من بينها تكاليف الطاقة والتطورات التجارية والجيوسياسية التي يمكن أن تنعكس على أسعار السلع والخدمات.

وفي الأسواق، لا يقتصر تأثير قرار الفيدرالي الأمريكي على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى مختلف الاقتصادات المرتبطة بالدولار وحركة رؤوس الأموال العالمية. فارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية يجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين في بعض الظروف، كما يمكن أن يدعم العملة الأمريكية ويزيد في المقابل كلفة التمويل بالنسبة للدول والشركات التي تعتمد على الاقتراض بالدولار.

كما يمكن أن تنعكس السياسة النقدية الأمريكية على أسعار الذهب، والأسهم، والسندات، والعملات، إضافة إلى القرارات التي تتخذها البنوك المركزية الأخرى. وقد سجل الذهب تراجعا بعد الإعلان عن رفع الفائدة، في وقت عززت فيه التوقعات المتعلقة بتشدد السياسة النقدية جاذبية الأصول التي تحقق عوائد مقارنة بالأصول التي لا تمنح عائدا دوريا.

ويأتي كل ذلك في ظرف سياسي حساس داخل الولايات المتحدة، بعدما دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خفض أسعار الفائدة، معتبرا أن معدلات أقل يمكن أن تساعد على دعم النشاط الاقتصادي وتقليل أعباء الاقتراض. وفي المقابل، شدد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش على أهمية استقلالية البنك المركزي وتركيزه على المهام المرتبطة بالسياسة النقدية واستقرار الأسعار.

وتكتسب هذه المواجهة بين الاعتبارات الاقتصادية والسياسية حساسية أكبر مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في نونبر، حيث تشكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتكلفة الاقتراض ملفات حاضرة في النقاش العام. غير أن قرار الفيدرالي يظل مرتبطا بالمعطيات الاقتصادية التي يرى صناع السياسة النقدية أنها تحدد اتجاه الأسعار والنمو وسوق العمل، في وقت تزداد فيه الضغوط الخارجية المرتبطة بالطاقة والتجارة والتوترات الجيوسياسية.

ويترقب المستثمرون والأسر والشركات الآن ما ستكشفه البيانات المقبلة، خصوصا بشأن التضخم والنمو والبطالة، لمعرفة ما إذا كان رفع الفائدة سيبقى خطوة منفردة أم سيتبعه تشديد إضافي. وسيكون مسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة عاملا رئيسيا في تحديد اتجاه السياسة النقدية، خصوصا أن الفيدرالي أعلن من خلال توقعاته الجديدة أن احتمال رفع آخر قبل نهاية العام لا يزال قائما.

وبذلك يعيد قرار الأربعاء رسم ملامح المرحلة المقبلة من السياسة النقدية الأمريكية، بعدما انتقل التركيز من احتمال تخفيف الفائدة إلى إمكانية تشديدها مجددا. وبينما يسعى الفيدرالي إلى كبح التضخم وإعادته تدريجيا إلى مستوى 2 في المائة، يبقى التحدي الأساسي أمامه هو تحقيق ذلك دون إحداث تباطؤ حاد في الاقتصاد أو زيادة الضغوط على سوق العمل، وهي معادلة ستظل مفتوحة على تطورات جديدة مع صدور البيانات الاقتصادية المقبلة.