هجر إمغري
تواصل مدينة بوجدور تعزيز حضورها ضمن المناطق المغربية التي يرتبط اقتصادها بشكل وثيق بالثروة البحرية، بعدما أظهرت المعطيات المسجلة منذ بداية السنة وإلى غاية منتصف شتنبر الجاري نشاطا ملحوظا في مختلف مجالات الصيد البحري، سواء من حيث حجم الكميات المفرغة أو القيمة المالية للمصطادات، في مؤشر يعكس الأهمية التي بات يمثلها القطاع في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
وأظهرت الأرقام المسجلة خلال الفترة نفسها حضورا قويا لعدد من الأنواع البحرية التي تشكل جزءا مهما من النشاط الاقتصادي بالمنطقة، حيث تجاوزت كميات الحبار المفرغة 1444 طنا، بقيمة مالية تقارب 154.89 مليون درهم، بينما بلغت مفرغات الأخطبوط نحو 3724 طنا، محققة قيمة تناهز 334.69 مليون درهم، وهو ما يبرز الوزن الاقتصادي الكبير الذي تمثله هذه الموارد بالنسبة إلى منظومة الصيد بالمنطقة.
وفي السياق ذاته، سجلت الأسماك البيضاء بدورها أرقاما مهمة، بعدما وصلت الكميات المفرغة منها إلى حوالي 3935 طنا، بقيمة إجمالية قاربت 115.82 مليون درهم، لتؤكد هذه المؤشرات أن النشاط البحري في بوجدور لا يقوم على نوع واحد من المصطادات، وإنما يستند إلى تنوع في الموارد البحرية وتعدد في أنماط وأساليب الاستغلال.
ويكشف هذا التنوع في المفرغات عن حركية واسعة داخل القطاع، إذ لا تتوقف أهمية الصيد البحري عند لحظة استخراج المنتجات من البحر وإنزالها في الموانئ، بل تمتد إلى سلسلة طويلة من الأنشطة التي تبدأ بعمليات الصيد والإنزال، ثم تمر عبر الفرز والتخزين والتثمين والنقل والتسويق، وصولا إلى مختلف الخدمات المرتبطة بالمنتجات البحرية، وهو ما يجعل القطاع محركا اقتصاديا تتداخل فيه مصالح ومهن متعددة.
كما يبرز الصيد التقليدي كأحد المكونات الأساسية لهذه المنظومة، بالنظر إلى ارتباط عدد من الأسر والمهنيين بشكل مباشر أو غير مباشر بالأنشطة البحرية. ويتيح هذا النمط من الصيد مساهمة عدد كبير من الفاعلين في الدورة الاقتصادية المحلية، سواء من خلال العمل على متن القوارب أو عبر المهن والخدمات التي تنشط بالتوازي مع عمليات الإنزال والتسويق.
وبالتوازي مع ذلك، يحتل الصيد الساحلي الموجه إلى الأسماك السطحية الصغيرة، وعلى رأسها السردين، مكانة مهمة ضمن النشاط البحري ببوجدور، بعدما حددت الحصة الإجمالية المخصصة للدائرة البحرية في 47640 طنا. واستفاد القطاع إلى غاية منتصف شتنبر الجاري من أكثر من 23083 طنا، أي ما يعادل 48.45 في المائة من الحصة المحددة، فيما ظل أكثر من 24556 طنا ضمن المخزون المتبقي.
وتعكس هذه المعطيات استمرار النشاط المرتبط بالسردين، في وقت تظل فيه مراقبة الكميات المصطادة وتتبع مستوى استهلاك الحصص من العناصر الأساسية لضمان استمرار النشاط بشكل منظم. كما أن وجود كمية مهمة من الحصة المتبقية يتيح مواصلة عمليات الصيد خلال الفترة المقبلة، وفقا للضوابط والتدابير المعمول بها في القطاع.
ومن جهة أخرى، تكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر بالنظر إلى الدور الذي يلعبه الصيد البحري في الاقتصاد المحلي لبوجدور، إذ يوفر مداخيل مباشرة للعاملين في البحر، ويدعم في الوقت نفسه مجموعة واسعة من الأنشطة المرتبطة به. فكل عملية إنزال للمصطادات تحرك سلسلة من الخدمات تشمل النقل والمناولة والتخزين والتسويق، كما تساهم في خلق حركة اقتصادية تمتد إلى قطاعات ومهن مرتبطة بشكل وثيق بالمنتجات البحرية.
وتنعكس هذه الدينامية كذلك على فرص الشغل، سواء داخل قطاع الصيد نفسه أو في الأنشطة الموازية التي تعتمد على استمرار تدفق المنتجات البحرية. فارتفاع حجم المفرغات يعني زيادة في الحاجة إلى عمليات النقل والتفريغ والتوضيب والتخزين والتسويق، إضافة إلى الخدمات اللوجستية والإدارية والتجارية التي ترافق هذه العمليات، وهو ما يجعل الثروة البحرية عاملا مؤثرا في مصادر دخل شريحة واسعة من سكان المنطقة.
وفي هذا الإطار، تكتسب عمليات التثمين أهمية خاصة، لأن القيمة الاقتصادية للمصطادات لا ترتبط فقط بالكميات التي يتم استخراجها من البحر، وإنما أيضا بطريقة التعامل معها بعد الإنزال، ومدى احترام شروط الجودة والتخزين والنقل والتسويق. وكلما تطورت هذه السلسلة، ارتفعت إمكانية تحقيق قيمة مضافة أكبر من الموارد البحرية، وهو ما يفتح المجال أمام استفادة أوسع من الثروة البحرية على المستوى المحلي.
وتتزامن هذه الحركية مع استمرار عمليات التتبع والمراقبة لمختلف مراحل النشاط البحري، بما يشمل عمليات الإنزال والتصريح بالمصطادات وتتبع استهلاك الحصص. وتكتسي هذه العمليات أهمية أساسية لضمان دقة المعطيات المرتبطة بالكميات المصطادة، ومواكبة تطور النشاط، والحد من الاختلالات التي قد تؤثر في تدبير الموارد البحرية.
ويكتسي الحفاظ على الموارد البحرية أهمية خاصة بالنسبة إلى بوجدور، باعتبار أن استدامة القطاع ترتبط بشكل مباشر بقدرة المنظومة على تحقيق التوازن بين النشاط الاقتصادي وحماية الثروة البحرية. فاستمرار ارتفاع المفرغات لا يمكن فصله عن ضرورة احترام التدابير المنظمة لمواسم الصيد والكميات والحصص المسموح بها، بما يضمن استمرار الموارد لفائدة المهنيين والأجيال المقبلة.
وبذلك، لا تعكس أرقام مفرغات الصيد البحري في بوجدور مجرد حجم المنتجات التي وصلت إلى اليابسة خلال الأشهر الماضية، بل تكشف عن منظومة اقتصادية متكاملة تتقاطع فيها أنشطة الصيد والتثمين والتسويق والخدمات والتشغيل. كما تؤكد أن البحر يظل أحد أهم مصادر الحركة الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، خصوصا في ظل تنوع المصطادات وتعدد الفاعلين المرتبطين بالقطاع.
ومع استمرار الموسم الحالي، تظل الأنظار متجهة إلى تطور حجم المفرغات ومستوى استهلاك الحصص خلال الفترة المقبلة، في وقت تراهن فيه المنطقة على تثمين مواردها البحرية وتعزيز مساهمة الصيد في الاقتصاد المحلي. وبين وفرة المصطادات وضرورة الحفاظ على الثروة البحرية، تبرز الحاجة إلى مواصلة تدبير القطاع بطريقة تضمن الاستفادة الاقتصادية من البحر، دون الإضرار بالتوازنات التي تضمن استمراره.
وهكذا، تواصل بوجدور بناء دينامية اقتصادية تستند إلى موقعها البحري وثرواتها الطبيعية، في وقت أصبح فيه الصيد البحري أكثر من مجرد نشاط مهني؛ فهو جزء من الدورة الاقتصادية والاجتماعية اليومية للمنطقة، ومصدر دخل وفرص عمل، ورافعة لتحريك عدد كبير من الأنشطة التي تستفيد من كل رحلة صيد وكل عملية إنزال للمصطادات.







