كوثر بوجوال
جدد المغرب، من جنيف، التأكيد على أن تحقيق العدالة الاجتماعية لم يعد شأنا داخليا منفصلا عن التحولات الدولية، بل يتطلب شراكات أقوى وتنسيقا عمليا داخل الائتلاف العالمي من أجل العدالة الاجتماعية. وشددت البعثة الدائمة للمملكة لدى الأمم المتحدة بجنيف على أن مواجهة عدم المساواة والإقصاء والتمييز وانتهاك الحقوق الأساسية تستوجب تعبئة جماعية، إلى جانب نظام متعدد الأطراف قوي ومتجدد وقادر على تحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج ملموسة لفائدة السكان.
وجاء الموقف المغربي خلال المنتدى السنوي للائتلاف العالمي برسم سنة 2026، المنعقد يومي 16 و17 شتنبر بصيغة افتراضية، بمشاركة مسؤولين أمميين ووزراء وخبراء وممثلين عن منظمات دولية. ودعت البعثة المغربية إلى بناء التزام جماعي يستند إلى منظومة من القيم المشتركة ومرجعية موحدة للحقوق والمعايير، مع تعبئة فعلية للموارد والخبرات حتى لا تبقى المبادئ المعلنة منفصلة عن التدخلات المطلوبة على أرض الواقع.
شراكات تقاس بنتائجها العملية
وخلال جلسة نقاش حملت عنوان «الشراكات في العمل.. تحقيق النتائج من خلال تدخلات رئيسية»، عرضت البعثة محاور انخراط المملكة داخل الائتلاف، مؤكدة أن الشراكة الحقيقية لا تقتصر على التنسيق السياسي أو تبادل التصريحات، بل تشمل تحديد الأولويات وتقاسم الخبرات وتوفير التمويل ومتابعة الأثر. ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل اتساع الفجوات الاجتماعية وتداخل قضايا التشغيل والحماية الاجتماعية والتحول البيئي مع تحديات الاقتصاد العالمي.
ويشغل المغرب عضوية مجموعة تنسيق الائتلاف خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2028، وهي مسؤولية تتيح له المساهمة في توجيه النقاشات ومواكبة المبادرات المشتركة. وأبرزت البعثة أن المملكة منخرطة في برامج متعددة الأطراف تهم الحقوق الأساسية للعمال، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتقوية الحوار الاجتماعي، باعتبار هذه المجالات حلقات مترابطة لا يمكن معالجة كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.
فحماية حقوق العمال تحتاج إلى منظومات اجتماعية تقلص الهشاشة، بينما يتطلب الانتقال نحو اقتصاد أخضر مراعاة انعكاساته على الوظائف والفئات المتضررة. كما يمثل الحوار الاجتماعي أداة لتقريب مواقف الحكومات والمشغلين والنقابات، وتفادي أن تتحول الإصلاحات الاقتصادية إلى مصدر جديد للتفاوت. ومن هنا، تركز المقاربة المغربية المعروضة في المنتدى على ربط السياسات الاجتماعية بالتنمية البشرية والاستدامة، مع البحث عن شراكات تعزز القدرة على التنفيذ والتقييم.
تعميم الحماية الاجتماعية ضمن التجربة المغربية
وأوضحت البعثة أن أولويات الائتلاف العالمي تنسجم مع الأوراش التي أطلقتها المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس، الذي جعل الدعامة الاجتماعية محورا مركزيا للتنمية البشرية. واستشهد الوفد، بصورة خاصة، بورش تعميم الحماية الاجتماعية، بوصفه تحولا يستهدف توسيع الاستفادة من آليات الحماية وتقليص الفوارق في الولوج إلى الخدمات والحقوق الأساسية.
ويمنح حضور هذا الورش في الخطاب المغربي بالمنتدى بعدا عمليا لمشاركة المملكة، لأن تبادل التجارب داخل الائتلاف يمكن أن يساعد الدول على مقارنة النماذج وتحديد نقاط القوة والاختلال. غير أن نجاح أي منظومة للحماية الاجتماعية يظل مرتبطا باستدامة تمويلها، وجودة خدماتها، ودقة استهدافها، وقدرتها على مواكبة التحولات الديمغرافية والاقتصادية. لذلك تبرز أهمية الجمع بين التغطية الواسعة والحكامة والقياس المنتظم للنتائج.
إطار مراكش لمكافحة تشغيل الأطفال
وسلط الوفد المغربي الضوء على الدور الذي اضطلعت به المملكة في قيادة مسار إعداد واعتماد إطار مراكش العالمي للعمل ضد تشغيل الأطفال، خلال فبراير 2026. واعتبرت البعثة أن اعتماد هذا الإطار شكل محطة بارزة للانخراط والتوافق الدولي، خصوصا أنه تحقق في ظرف يتسم بانقسامات جيوسياسية واقتصادية تجعل الوصول إلى أرضية مشتركة أكثر صعوبة.
واغتنم المغرب المنتدى لتوجيه نداء إلى المجتمع الدولي من أجل تعزيز الانخراط وبذل الجهود اللازمة لتجسيد خارطة طريق مراكش. فالانتقال من اعتماد الوثيقة إلى تنفيذها يقتضي خططا وطنية واضحة، وتعاونا بين الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والنقابات والمجتمع المدني، إلى جانب آليات للرصد وجمع المعطيات. كما يتطلب التصدي لتشغيل الأطفال معالجة أسبابه المرتبطة بالفقر والهشاشة والانقطاع عن الدراسة وضعف الحماية الأسرية.
إعلان الدوحة والتحالف 8.7
وأكدت البعثة أن إعلان الدوحة، الذي ساهم المغرب إلى جانب بلجيكا في تيسير مسار اعتماده خلال القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في نونبر 2025، يشكل مع إطار مراكش والتحالف 8.7 أساسا لدينامية سياسية دولية داعمة للعدالة الاجتماعية. ويعمل التحالف 8.7 منصة لتحقيق الغاية 8.7 من أهداف التنمية المستدامة، بما يشمل تعبئة الشركاء حول قضايا العمل القسري وتشغيل الأطفال وأشكال الاستغلال المرتبطة بهما.
ويعكس الربط بين هذه المبادرات رغبة المغرب في جعل الالتزامات الدولية متكاملة بدل بقائها مسارات متوازية. فإعلان الدوحة يوفر مرجعية سياسية، ويقدم إطار مراكش توجها للعمل ضد تشغيل الأطفال، بينما يتيح التحالف 8.7 فضاء للتنسيق والمتابعة. ويبقى التحدي في تحويل هذه البنية إلى برامج ممولة ومؤشرات قابلة للقياس، مع ضمان استفادة البلدان ذات الإمكانات المحدودة من الخبرة والدعم التقني.
وتكتسب مشاركة المملكة قيمة إضافية حين تقترن بتبادل الممارسات الناجحة وبناء قدرات الشركاء، خصوصا في الدول النامية. فنجاح الائتلاف سيقاس بقدرته على تقليص الفجوة بين القرارات والتنفيذ، وضمان وصول الحماية إلى العمال والأطفال والأسر الهشة، ضمن تعاون يحترم الأولويات الوطنية ويعزز المساءلة الدولية، وضمان القدرة على قياس الأثر.
وشهد المنتدى مشاركة المديرين العامين لمنظمة العمل الدولية ومنظمة التجارة العالمية، إلى جانب مسؤولين كبار من الوكالات الأممية والمنظمات الدولية ووزراء وخبراء. ويؤكد هذا الحضور أن العدالة الاجتماعية ترتبط أيضا بقواعد التجارة والعمل والاستثمار، ولا يمكن فصلها عن الخيارات الاقتصادية العالمية. وبالنسبة إلى المغرب، تمثل عضويته في مجموعة التنسيق فرصة لتعزيز صوته، وتقاسم تجربته، والدفع نحو شراكات تجعل الحقوق والحماية والكرامة عناصر مركزية في السياسات التنموية.








