هجر إمغري
تصاعد في مدينة وجدة خلال الفترة الأخيرة نقاش رياضي حمل في طياته أبعادا مرتبطة بطريقة تقديم المشهد الكروي المحلي، بعدما أثارت تصريحات صادرة خلال تجمع خطابي حضره فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ردود فعل داخل مكونات نادي الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، الذي اعتبر أن الحديث عن كرة القدم بالمدينة بمنطق الطرف الواحد لا يعكس حقيقة الواقع الرياضي الذي تعيشه عاصمة الشرق.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة حضور الاتحاد الوجدي داخل المنظومة الرياضية المحلية، خصوصا في ظل اعتبار النادي نفسه واحدا من المكونات التاريخية لكرة القدم بالمدينة، إلى جانب المولودية الوجدية، التي تشكل بدورها اسما بارزا في تاريخ الرياضة الوجدية. ويرى مسؤولو الاتحاد أن المشهد الكروي في وجدة لم يكن في أي مرحلة محصورا في ناد واحد، بل تشكل عبر عقود من الزمن من خلال أندية ومؤسسات رياضية ساهمت في تكوين اللاعبين وتأطير الفئات العمرية وخدمة الرياضة الوطنية.
وأكد الناطق الرسمي والكاتب العام للنادي، يحي العلمي، أن كرة القدم بالجهة الشرقية تقوم على تعدد الأقطاب، مشيرا إلى أن مدينة وجدة تضم فريقين ينشطان في القسم الوطني الثاني، ويتعلق الأمر بالمولودية الوجدية والاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي. ويعتبر النادي أن هذا الحضور المشترك يفرض التعامل مع المكونات الرياضية المحلية بمنطق التوازن والاعتراف بتاريخ كل مؤسسة، بعيدا عن أي اختزال قد يجعل ناديا واحدا يمثل المدينة بأكملها.
ويستند الاتحاد الوجدي في موقفه إلى مسار رياضي يقول إنه امتد لسنوات طويلة، وارتبط بتكوين أجيال من اللاعبين واللاعبات في مختلف الفئات. كما يلفت النادي إلى أن قاعدة ممارسيه لا تقتصر على فئة واحدة، بل تضم مئات الشباب والأطفال والممارسات واللاعبين الذين يجدون في النادي فضاء للتكوين والممارسة والتأطير الرياضي. ومن هذا المنطلق، يعتبر مسؤولو الاتحاد أن تجاهل هذا الامتداد البشري والرياضي لا يعكس حجم الدور الذي يؤديه النادي داخل المجتمع الوجدي.
وفي السياق نفسه، يبرز التفاوت في الإمكانيات بين الأندية كأحد العوامل التي تجعل النقاش حول الدعم الرياضي أكثر حساسية، إذ يرى الاتحاد أن قيمة النادي لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم موارده المالية أو بنتائجه الآنية، وإنما أيضا بما راكمه من تاريخ وبما يوفره من فرص للممارسة الرياضية والتكوين. ولذلك يطالب النادي، وفق موقفه المعلن، بتعامل مؤسساتي يراعي خصوصية كل فريق وحجم مساهمته في الحياة الرياضية والاجتماعية بالمدينة.
ويؤكد العلمي أن المرحلة الحالية تعد محطة مهمة بالنسبة إلى الاتحاد الوجدي، في ظل حاجة النادي إلى مزيد من الدعم والاهتمام من مختلف المؤسسات المعنية بالشأن الرياضي. ولا يقدم النادي مطالبه باعتبارها محاولة للانتقاص من مكانة المولودية الوجدية، بل يحرص على التأكيد أن لكل فريق رمزيته وتاريخه وقاعدته الجماهيرية، وأن الاعتراف بأحدهما لا يفترض بالضرورة إقصاء الآخر.
وبهذا المعنى، يضع الاتحاد الوجدي مسألة العدالة الرياضية والمؤسساتية في صلب موقفه، مطالبا بحضور أكثر توازنا داخل المشهد الرياضي المحلي، سواء من حيث الدعم أو التمثيلية أو الحضور في النقاش العمومي المرتبط بالرياضة. ويعتبر النادي أن التعدد الذي تعرفه كرة القدم الوجدية يمكن أن يشكل نقطة قوة للمدينة، إذا جرى التعامل معه باعتباره رصيدا رياضيا مشتركا وليس مجالا للمفاضلة أو الإقصاء.
وفي المقابل، يحرص مسؤولو الاتحاد على تثمين عدد من المواقف المؤسساتية الداعمة للنادي، وفي مقدمتها موقف والي الجهة الشرقية، مع التشديد على ضرورة عدم إدخاله في التجاذبات السياسية التي رافقت النقاش الأخير. ويعكس هذا الموقف رغبة النادي في الفصل بين ما يعتبره حقوقا رياضية ومؤسساتية مشروعة وبين النقاشات السياسية التي قد تتقاطع أحيانا مع المجال الرياضي خلال الاستحقاقات واللقاءات العمومية.
كما يعيد هذا السجال طرح سؤال أوسع حول علاقة الرياضة بالشأن المحلي، وحول الطريقة التي يتم بها توزيع الاهتمام والدعم على الأندية، خصوصا في المدن التي تتوفر على أكثر من فريق له حضور تاريخي وجماهيري. فحين تصبح الرياضة جزءا من الحياة اليومية للسكان، فإن الأندية لا تعود مجرد فرق تخوض المباريات، وإنما تتحول إلى فضاءات للتكوين والتأطير وصناعة الانتماء، وهو ما يجعل التعامل معها مرتبطا أيضا بأبعاد اجتماعية وشبابية تتجاوز نتائج الملاعب.
ويشدد الاتحاد الرياضي الإسلامي الوجدي، في رسالته إلى المجالس المنتخبة، على أن علاقة المؤسسات بالأندية لا ينبغي أن تقتصر على المناسبات أو اللحظات التي تحظى فيها الرياضة باهتمام جماهيري وإعلامي واسع. فاستمرارية الأندية، بحسب هذا الطرح، تحتاج إلى مواكبة منتظمة وإلى رؤية واضحة تجعل الاستثمار في الرياضة جزءا من السياسات المحلية، خصوصا في ما يتعلق بتأطير الشباب وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية.
وتتجاوز مطالب الاتحاد في هذا السياق مسألة الحصول على دعم إضافي، لتصل إلى المطالبة باعتراف أكبر بمكانته داخل الذاكرة الرياضية لمدينة وجدة. فالنادي يرى أن حضوره الحالي لا يمكن فصله عن تاريخه، كما أن مستقبله يرتبط بقدرته على مواصلة العمل داخل الفئات العمرية وتوفير ظروف أفضل للممارسة والتكوين. لذلك يعتبر أن استرجاع مكانته الطبيعية داخل خريطة الدعم والاهتمام الرياضي يشكل جزءا أساسيا من المرحلة المقبلة.
وفي نهاية المطاف، يعكس الجدل الحالي حاجة كرة القدم الوجدية إلى خطاب أكثر شمولا يعترف بتعدد مكوناتها، ويمنح لكل ناد المساحة التي يستحقها وفق تاريخه وحضوره وأدواره. وبينما يواصل الاتحاد الوجدي التأكيد على احترامه للمولودية الوجدية ولمكانتها، فإنه يصر في المقابل على أن الاعتراف بهذه المكانة يجب ألا يأتي على حساب حضوره هو الآخر.
ويبدو أن الرسالة التي يسعى الاتحاد إلى إيصالها واضحة في جوهرها: النادي لا يطرح نفسه بديلا عن أي مؤسسة رياضية أخرى، ولا يطالب بإزاحة طرف من المشهد، وإنما يريد أن يكون حاضرا بالقدر الذي يعكس تاريخه وقاعدته ومساهمته في الحياة الرياضية بمدينة وجدة. ومع استمرار النقاش، يبقى الرهان بالنسبة إلى مختلف الفاعلين هو تحويل التعدد الرياضي الذي تعرفه عاصمة الشرق من مصدر للتجاذب إلى فرصة لتعزيز كرة القدم المحلية وتوسيع قاعدة ممارسيها ودعم الأندية القادرة على تمثيل المدينة والجهة في المنافسات الوطنية.







