ياسر الرقاص
في حراك دبلوماسي أممي وازن لمواجهة موجات التعصب المتصاعدة، التأم المنتظم الدولي في مؤتمر رفيع المستوى بالشراكة بين الرباط والأمم المتحدة، لبلورة استراتيجيات عملية تكبح جماح خطاب الكراهية وتؤسس لمرحلة متقدمة من التسامح بين الأديان والثقافات.
هذا التحرك المشترك يأتي في سياق عالمي دقيق يتسم بتنامي الاستقطاب والتمييز، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لحماية الكرامة الإنسانية كركيزة أساسية لا محيد عنها لضمان الأمن والاستقرار.
المؤتمر، الذي أشرف على تنظيمه مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية، شكل منصة لتصريف رؤية مغربية متكاملة ترافع عنها وزير الشؤون الخارجية، ناصر بوريطة، الذي شدد على أن التصدي للكراهية لا يتحقق بالشعارات الفضفاضة، بل يستوجب شجاعة في الخطاب وعدلا في السياسات.
المقاربة المغربية، كما جرى بسطها أمام الوفود الدولية، تنطلق من مرجعية ملكية صلبة، وتجسد امتدادا للرسالة التي وجهها الملك محمد السادس للمنتدى العالمي لتحالف الحضارات بمدينة فاس أواخر عام 2022، والتي رسخت مبدأ تحويل التسامح من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية تخترق الفضاءات العامة، انطلاقاً من المدارس والشوارع، ووصولا إلى المنصات الرقمية.
ولم يقتصر النقاش على الجانب السياسي والمؤسساتي، بل لامس العمق المجتمعي عبر إشراك فعلي للقيادات الدينية.
وفي هذا الصدد، نبه الممثل السامي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات والمبعوث الأممي لمكافحة الإسلاموفوبيا، ميغيل أنخيل موراتينوس، إلى ضرورة العمل المشترك بين مختلف المعتقدات لتحييد خطابات الكراهية بجميع تلاوينها.
وأكد موراتينوس أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال الفوري من حيز التفكير والتنظير إلى مربع الفعل الميداني لوقف نزيف التفرقة.
هذه الدينامية الحالية ليست تفاعلا لحظيا، بل هي تتويج لمسار طويل من “الدبلوماسية الروحية” التي انتهجتها الرباط داخل أروقة الأمم المتحدة؛ فالمغرب كان صاحب المبادرة في استصدار قرارات أممية تاريخية متتالية، أبرزها قرار الجمعية العامة لعام 2021 الذي توج بإقرار يوم دولي لمكافحة خطاب الكراهية.
وهو ما يكرس موقع المملكة كفاعل محوري في هندسة الأمن الروحي والثقافي على الساحة الدولية، متجاوزة بذلك منطق ردود الأفعال الظرفية نحو بناء سياسات استباقية تحاصر التطرف في مهده قبل أن يتحول إلى ممارسة.







