كوثر بوجوال
عاد دور المغرب في دعم فلسطين إلى واجهة النقاش عقب إعلان الرباط وتل أبيب رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وتبادل فتح السفارات، خلال اجتماع عقد الأربعاء في نيويورك برعاية أمريكية. وفي خضم ردود الفعل، رفض مسؤول فلسطيني مطلع من منظمة التحرير ما وصفه بالمزايدات على التزام المملكة، بقيادة الملك محمد السادس، بنصرة القضية. وأكد أن العلاقة المغربية الفلسطينية ليست وليدة التحولات الراهنة، بل تستند إلى امتداد تاريخي وروحي تجسده حارة المغاربة وباب المغاربة في القدس الشريف، شاهدين على حضور مغربي راسخ ومتواصل داخل المدينة المقدسة.
دور المغرب في دعم فلسطين يتجاوز منطق الشعارات
شدد المسؤول الفلسطيني على أن العلاقات الدبلوماسية شأن سيادي، وأن المغرب ليس البلد العربي أو الإسلامي الوحيد الذي يقيم تمثيلا رفيعا مع إسرائيل. واستحضر وجود سفيرين لمصر والأردن في تل أبيب منذ سنوات، إلى جانب مستويات مختلفة من العلاقات لدى دول عربية أخرى. وبحسب موقفه، لا يصح تحويل الملف إلى مجال للمزايدة، خصوصا أن القيادة الفلسطينية لا تتدخل في خيارات العواصم العربية. ويقوم طرحه على الفصل بين طبيعة العلاقة الدبلوماسية والالتزام العملي تجاه الحقوق الفلسطينية، باعتبار أن المعيار الحقيقي هو النتائج الممكن تحقيقها على الأرض.
وأوضح المتحدث أن العلاقات المغربية الإسرائيلية استخدمت سابقا للتخفيف من معاناة الفلسطينيين، خصوصا في ملفي فتح المعبر الحدودي مع الأردن والإفراج عن أموال المقاصة. واعتبر أن المغرب كان الدولة الوحيدة التي نجح تدخلها في تحرير جزء من الأموال المحتجزة لدى إسرائيل، مطالبا الرباط بمواصلة تحركها. وقدر قيمة الأموال التي لا تزال، وفق معطياته، في ذمة الجانب الإسرائيلي بنحو سبعة مليارات دولار، ما يجعل القضية أولوية لارتباطها بقدرة المؤسسات الفلسطينية على أداء التزاماتها وتوفير الخدمات العامة الضرورية للسكان.
ثلاث مطالب فلسطينية أمام الدبلوماسية المغربية
حدد المسؤول ثلاثة ملفات ينتظر الفلسطينيون تحرك المغرب بشأنها. يتعلق الأول باستعادة أموال المقاصة، والثاني بالضغط لفتح المعبر الحدودي مع الأردن يوميا وبصورة دائمة، بينما يرتبط الثالث بمنع التدخل الإسرائيلي في الانتخابات الفلسطينية المقررة خلال نونبر المقبل. وتكشف المطالب أن الرهان على الرباط لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يمتد إلى توظيف قنوات الاتصال لتحقيق نتائج قابلة للقياس. كما تعكس إدراكا بأن الحوار مع مختلف الأطراف قد يمنح الدبلوماسية المغربية قدرة أكبر على الوساطة ونقل الرسائل وفتح الملفات العالقة الحساسة.
وانتقد المصدر الفلسطيني توظيف الدم الفلسطيني في المنافسة السياسية الإسرائيلية، معتبرا أن أحزاب اليمين تتسابق لاستمالة المتطرفين والمستوطنين. وفي المقابل، عبر عن ثقته في قدرة المملكة على ممارسة ضغط حقيقي لدعم حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وانتزاع حقوقهم المالية، وتخفيف القيود على حركتهم ومؤسساتهم. وينسجم هذا الرهان، وفق تصريحه، مع تدخلات المغرب السابقة والمكانة التي تحظى بها القضية الفلسطينية لدى الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، بما يمنح التحرك المغربي بعدا سياسيا ورمزيا خاصا ومتميزا.
الانتخابات الفلسطينية جزء من معركة المؤسسات
لم يحصر المسؤول مطالبته للمغرب في الجوانب المالية والإنسانية، بل دعا المملكة إلى دعم التغيير الديمقراطي داخل فلسطين وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية دون تأخير. وحذر من محاولات إسرائيلية لعرقلة الانتخابات، معتبرا أن تعطيلها يكرس صورة الانقسام بين مكونات الجغرافيا الفلسطينية ويمنح الاستيطان فرصة لفرض أمر واقع. ومن هذا المنظور، تصبح حماية الاستحقاق جزءا من الدفاع عن وحدة المؤسسات الفلسطينية وتمثيلها لإرادة الشعب، لا مجرد مسألة إجرائية منفصلة عن الصراع السياسي الأوسع.
ويكتسب الملف أهمية إضافية لأن انتخابات نونبر تمثل، بحسب الطرح الفلسطيني، فرصة لإعادة بناء الشرعية المؤسساتية وتعزيز القدرة على التفاوض بصوت موحد. وإذا ساهم المغرب في تحييد العراقيل المرتبطة بالاحتلال، فسيضيف تدخله بعدا سياسيا إلى أدواره المالية والإنسانية. غير أن نجاح المهمة يرتبط أيضا بالتوافق الفلسطيني الداخلي والاستعداد لاحترام نتائج الاقتراع، لأن الضغط الخارجي وحده لا يكفي لبناء مؤسسات موحدة وقادرة على مواجهة الاستيطان والانقسام.
بوريطة يدافع عن الدبلوماسية ذات النتائج
جاءت المواقف الفلسطينية بالتزامن مع اتفاق المغرب وإسرائيل في نيويورك على تبادل السفراء واستئناف الرحلات الجوية المباشرة واستكمال اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي. وعلى هامش الاجتماع، أكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة أن التجربة المغربية تظهر أن العلاقات مع إسرائيل يمكن أن تمنح الحكومات العربية أدوات عملية لمساعدة الفلسطينيين. ويحمل هذا التصور رسالة مفادها أن التواصل لا يعني التطابق في المواقف، بل قد يتحول إلى قناة للتأثير عندما ترتبط الدبلوماسية بأهداف تتصل بالسلام والاستقرار والحقوق المشروعة.
وأوضح بوريطة أن المغرب لا يتفق مع إسرائيل بالكامل، لكنه يوظف روح اتفاقيات أبراهام لتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وشدد على أن المساهمة في السلام تتطلب الشجاعة، بينما يظل إطلاق التصريحات والشعارات مسارا أسهل. وتضع هذه المقاربة الدبلوماسية أمام اختبار النتائج؛ فإذا ساهمت القنوات الجديدة في تحرير أموال الفلسطينيين وفتح المعابر وحماية الانتخابات، ستكتسب حجتها العملية قوة أكبر. أما إذا بقيت الوعود دون أثر، فستستمر الأسئلة بشأن قدرة العلاقات على تغيير واقع الاحتلال.
ويكشف موقف المسؤول في منظمة التحرير أن جزءا من القيادة الفلسطينية ينظر إلى المغرب باعتباره وسيطا قادرا على الجمع بين ثبات الدعم السياسي وامتلاك أدوات التواصل. لذلك لا تنحصر الثقة في الرمزية التاريخية للعلاقة، بل ترتبط بانتظارات عملية تبلغ قيمتها سبعة مليارات دولار، ومعبر يراد فتحه يوميا، وانتخابات منتظرة في نونبر. وبين رفض المزايدات وتأكيد السيادة الدبلوماسية، يبقى دور المغرب في دعم فلسطين مطالبا بتحويل التأثير إلى مكاسب واضحة، بما يعزز صمود الفلسطينيين ويحمي مؤسساتهم ويدفع نحو سلام عادل يضمن إقامة دولتهم المستقلة.








