إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

كيف تقرأ “المهادنة الإعلامية” في بلاغ شوكي زمن الانتخابات؟

16:22 · 18/09/2026

ياسر الرقاص

في خضم التدافع السياسي والاحتقان الذي تفرضه الاستحقاقات الانتخابية، برز إلى الواجهة بلاغ أصدره القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، ردا على ما وصفه بـ”ادعاءات تمس شخصه وسمعته”. 

ورغم أن الوثيقة تحمل في طياتها تلويحا صريحا برفع سيف القضاء في وجه مروجي هذه الأنباء، إلا أن اللافت فيها كان تلك المساحة الواسعة المخصصة للإشادة بحرية التعبير وحق النقد، مما يطرح تساؤلا جوهريا في أوساط المراقبين.. هل تعكس هذه النبرة المتسامحة مع الصحافة قناعة ديمقراطية راسخة، أم أنها ضرورة تكتيكية تفرضها حاجة الأحزاب الماسة للإعلام في ذروة المواسم الانتخابية؟

و بالعودة إلى هندسة البلاغ الصادر، يظهر بوضوح أن صياغته خضعت لميزان دقيق يجمع بين الدفاع عن النفس وتجنب استعداء السلطة الرابعة، فقد وضع شوكي خطا أحمر يفصل بين “حرية التعبير المكفولة قانونا” وبين ما اعتبره “تشهيرا ونسجا للوقائع”. 

هذا التفكيك المنهجي للخطاب يوضح رغبة القيادي الحزبي في تطويق الأزمة حصريا في دائرة الأفراد أو الجهات التي روجت للادعاءات، دون أن يتحول الأمر إلى مواجهة مفتوحة مع الجسم الصحفي والإعلامي بشكل عام.

من زاوية التحليل الإخباري، لا يمكن قراءة مضامين هذا البلاغ بمعزل عن التوقيت الحساس الذي صدر فيه، ففي فترات “التسخينات الانتخابية”، تدرك الماكينات الحزبية أن وسائل الإعلام تتحول إلى شريان حيوي لا غنى عنه لتسويق البرامج، تلميع الصور، واستقطاب الكتل الناخبة. 

وبناء على هذه المحددات، يميل الكثير من المحللين في حقل التواصل السياسي إلى أن لغة “التسامح” الظاهرة في البلاغ تحكمها براغماتية المرحلة بالدرجة الأولى؛ إذ إن الدخول في صراع شامل مع المنابر الإعلامية في هذا التوقيت قد يشكل “انتحارا تواصليا” يعزل الحزب أو قياداته عن الفضاء العام، ويمنح الخصوم السياسيين فرصة لتوظيف ورقة “التضييق على الحريات” كورقة انتخابية رابحة.

وإلى جانب الحاجة الانتخابية للمنابر الإعلامية، يظهر بلاغ شوكي  اللجوء إلى القضاء ورفض الدخول في “سجالات لا تخدم إظهار الحقيقة”، محاولة لتبريد الملف إعلاميا. 

فبإحالة القضية على المؤسسات القضائية، يتسلح السياسي بواجب التحفظ، ويسقط عن نفسه عبء التبرير اليومي في وسائل الإعلام، تاركا القضاء يمتص صدمة الأزمة، وفي الوقت ذاته، يظل الباب مواربا أمام الصحافة لمواصلة تغطية أنشطته وحزبه بعيدا عن التشويش الذي أحدثته تلك الادعاءات.

ويجسد هذا الخروج الإعلامي نموذجا كلاسيكيا لإدارة الأزمات في زمن الانتخابات، فهو يجمع بين “الكياسة الاضطرارية” التي تحفظ خطوط الود مع المنابر الإعلامية التي تحتاجها الأحزاب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبين الحزم القانوني الذي يضع حدودا لخصوم الميدان.