إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

معرض أحمد شيحا وأحمد العزيزي يروي حكاية الفن والخيول

17:30 · 18/09/2026

هجر إمغري

استقبلت الرباط تجربة تشكيلية تجمع بين عالمين مختلفين في الرؤية والأسلوب، لكنها تلتقي في شغف عميق بالفن والرسم والخزف، وذلك من خلال معرض مشترك للفنانين أحمد شيحا وأحمد العزيزي، يفتح أمام الجمهور مساحة لاكتشاف أعمال تنهل من مصادر إلهام متعددة، وتقدم صورتين مختلفتين للتعبير التشكيلي المغربي المعاصر.

ويقدم المعرض، الذي يستمر إلى غاية 11 أكتوبر المقبل، مجموعة من الأعمال التي تكشف منذ الوهلة الأولى اختلاف المسارين الفنيين للفنانين، إذ اختار كل واحد منهما بناء عالمه البصري انطلاقا من اهتماماته الخاصة، قبل أن يلتقيا في فضاء واحد يمنح الزائر فرصة الانتقال بين تجارب فنية متباينة، لكنها تنتمي إلى حس جمالي مشترك يقوم على البحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير.

ويعتمد أحمد شيحا في عدد من أعماله على تقنية التنقيط، التي تمنح اللوحة بناء بصريا خاصا من خلال توزيع نقاط ولمسات لونية صغيرة ومتجاورة، بما يجعل العين تشارك في تركيب الصورة واستقبال الألوان. ولا تبدو هذه التقنية مجرد اختيار أسلوبي، بل تتحول داخل أعمال الفنان إلى وسيلة لبناء فضاء تشكيلي غني بالتفاصيل والإيحاءات، حيث تتداخل الألوان وتتجاور لتنتج تأثيرات بصرية تتغير بحسب المسافة التي يقف منها المتلقي أمام اللوحة.

وفي المقابل، يختار أحمد العزيزي الاقتراب من عالم الفروسية، ليجعل من الخيول عنصرا مركزيا في تجربته الفنية، مستحضرا حركتها وقوتها وانفعالاتها في لوحات تتعدد فيها الحالات التعبيرية. فتظهر الخيول أحيانا في هدوئها ورشاقتها، بينما تبدو في أعمال أخرى أكثر اندفاعا وحيوية، بما يعكس علاقة الفنان بهذا الرمز المتجذر في الثقافة المغربية والعربية.

ويمنح هذا الاختلاف المعرض طابعا خاصا، لأن المتلقي لا يقف أمام تجربة واحدة متجانسة، وإنما ينتقل بين عالمين تشكيليين لكل منهما لغته وأدواته وموضوعاته. ومع ذلك، يظل الحوار قائما بين الأعمال، سواء من خلال الاهتمام بالرسم أو عبر حضور الخزف كمساحة مشتركة تسمح للفنانين بتجاوز الحدود التقليدية للوحة والبحث عن إمكانات جديدة للمادة والشكل.

ويعتبر العزيزي أن هذا اللقاء الفني ليس تجربة عابرة، خصوصا أنه يأتي بعد تجارب سابقة جمعته بالفنان أحمد شيحا، الأمر الذي جعل التعاون بينهما يأخذ مع مرور الوقت ملامح ثنائية فنية قائمة على الصداقة والاشتغال المشترك، رغم الاختلاف الواضح في المقاربة والأسلوب.

ويتركز اهتمام العزيزي بصورة أساسية على الخيول، غير أن تجربته لا تنفصل عن الرسم والخط، وهما عنصران يساعدانه على إبراز تفاصيل الحركة وتكوينات الجسد وإظهار الطابع المميز للخيول العربية والعربية البربرية. ومن خلال هذه العناصر، يحاول الفنان بناء صورة لا تكتفي بتقديم الحيوان في شكله الخارجي، وإنما تستحضر أيضا حضوره الرمزي والثقافي وما يرتبط به من معاني القوة والجمال والحرية.

ويجد الفنانان نقطة التقاء أخرى في الخزف، الذي أصبح جزءا مهما من تجربتهما المشتركة، بعدما فتح لهما المجال للانتقال من سطح القماش إلى خامات أكثر ارتباطا باللمس والتشكيل. ويمنح الاشتغال على الطين الفنان إحساسا مختلفا، لأن العمل لا يعتمد فقط على اللون والخط، بل يبدأ من المادة نفسها، ومن قدرتها على التحول تحت يد الفنان إلى أشكال تحمل آثار الصنعة والتجربة.

وترتبط هذه التجربة الخزفية أيضا بمدينة آسفي، التي تحضر في خلفية هذا الاهتمام باعتبارها واحدة من المدن المغربية التي ارتبط اسمها تاريخيا بالخزف والصناعة التقليدية. ويبدو حضور المدينة بالنسبة للفنانين أكثر من مجرد خلفية جغرافية، إذ توفر بيئة ثقافية ومادية تسمح باستكشاف العلاقة بين الفن التشكيلي والصناعات الفنية التقليدية، وبين الذاكرة المحلية والتجريب المعاصر.

ويأخذ أحمد شيحا مسارا مختلفا في بناء تجربته، إذ يستمد كثيرا من أعماله من العبادات والتصوف والروحانيات، وهي عناصر تمنح لوحاته بعدا تأمليا يتجاوز التمثيل المباشر للأشكال. وتتحول هذه المرجعيات داخل أعماله إلى لغة بصرية تحاول الاقتراب من المعنى والإحساس والجانب الروحي، مستفيدا من تجربته الخاصة في التعامل مع اللون والتكوين.

ويمتد اشتغال شيحا كذلك إلى مجموعة من الخامات والحوامل، فلا يحصر تجربته في القماش، بل يشتغل على الخزف والجلد والخشب وسيقان القصب، وهو ما يعكس رغبة واضحة في اختبار إمكانات المادة واكتشاف ما يمكن أن تضيفه كل خامة إلى الفكرة الفنية. وبهذا التنوع، يصبح العمل بالنسبة إليه عملية بحث مفتوحة لا تتوقف عند تقنية واحدة أو حامل محدد.

ويمنح الجمع بين تجربة شيحا والعزيزي للمعرض قدرة على استقطاب جمهور متنوع، فمحبو الفن التشكيلي يجدون أمامهم تجربة قائمة على التنقيط واللون والروحانيات، بينما يجد المهتمون بالفروسية والرموز المرتبطة بالخيول مساحة واسعة داخل أعمال العزيزي. وفي قلب هذا الاختلاف يظهر الخزف باعتباره جسرا مشتركا بين التجربتين، ووسيلة لتقريب مسارين فنيين يبدوان مختلفين في البداية.

ويواصل الفضاء المنظم للمعرض توجهه نحو دعم التجارب التشكيلية المغربية، بعدما بدأ باحتضان المواهب الشابة التي لم تكن تحظى بحضور واسع، قبل أن يتوسع لاحقا ليشمل أسماء وتجارب أكثر تنوعا. ويعكس تنظيم المعارض بشكل شبه شهري رغبة في جعل الفن التشكيلي حاضرا بصورة مستمرة أمام الجمهور، وربط الفنانين بالمتلقين في فضاء يسمح بالحوار والتفاعل.

ويأتي اختيار شيحا والعزيزي لتنظيم هذا اللقاء نتيجة علاقة تجمعهما منذ سنوات، إلى جانب الأعمال الجديدة التي راكماها، خصوصا في مجال الخزف، وهو ما منح المعرض بعدا يتجاوز فكرة الجمع بين فنانين في فضاء واحد، ليصبح امتدادا لمسار من التعاون والتجريب المشترك.

ولا يتوقف هذا التعاون عند حدود العرض داخل المغرب، إذ يستعد الفنانان لنقل تجربتهما إلى الخارج، من خلال تقديم أعمالهما لأول مرة في كوت ديفوار، قبل الانتقال إلى فرنسا في إطار معرض جديد. وتفتح هذه الخطوة المجال أمام التجربة المغربية للوصول إلى جمهور فني مختلف، كما تمنح الفنانين فرصة تقديم أعمالهما خارج السياق المحلي واختبار تفاعل متلقين ينتمون إلى بيئات ثقافية متنوعة.

ويكشف هذا المسار في النهاية عن قدرة الفن التشكيلي المغربي على الجمع بين الخصوصية والانفتاح، من خلال أعمال تستند إلى الذاكرة والهوية والرموز المحلية، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن لغة قادرة على التواصل خارج الحدود. وبين تنقيط أحمد شيحا وخيول أحمد العزيزي، وبين القماش والطين والخشب والجلد، تتشكل حكاية فنية تقوم على الاختلاف والتكامل، وتمنح الجمهور في الرباط فرصة للوقوف أمام تجربتين تختصران جانبا من تنوع المشهد التشكيلي المغربي.