فتيحة شاطر
لم تعد التحركات الدبلوماسية المغربية الأخيرة تُقرأ في أوروبا باعتبارها قرارات ثنائية عادية، بل أصبحت جزءًا من تحول استراتيجي أوسع قد يغير موازين القوى في غرب البحر الأبيض المتوسط، ويحد من قدرة بعض العواصم الأوروبية على الضغط على الرباط.
ويأتي التصعيد الصادر عن البرلمان الأوروبي بالتزامن مع توجه المغرب نحو رفع مستوى علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل وتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وهو تزامن يكشف أن الخلاف يتجاوز قضية الهجرة إلى صراع أوسع حول النفوذ والمصالح ومستقبل المنطقة.
فقد وجّه البرلمان الأوروبي اتهامات إلى المغرب باستخدام الهجرة للضغط على سبتة المحتلة، مستعملًا تعبير «الحرب الهجينة»، مع التلويح بإمكانية فرض عقوبات أو مراجعة المساعدات والاتفاقيات المبرمة مع الرباط.
ويمثل هذا الخطاب انتقالًا من الانتقاد السياسي إلى محاولة فرض شروط مباشرة على المغرب، عبر ربط استمرار التعاون الأوروبي بتشديد مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين. ويأتي ذلك رغم أن المملكة تتحمل منذ سنوات جزءًا كبيرًا من تكلفة حماية الحدود الجنوبية لأوروبا ومواجهة شبكات الهجرة والاتجار بالبشر.
كما أن توجيه اتهام بحجم شن «حرب هجينة» يستوجب تقديم أدلة واضحة تثبت وجود خطة مغربية رسمية لاستخدام المهاجرين في الضغط على سبتة، بدل الاعتماد على استنتاجات سياسية أو تقارير إعلامية مبنية على مصادر غير معلنة.
غير أن جوهر التوتر لا يرتبط بالهجرة وحدها، بل يمتد إلى ملف الصحراء المغربية. فقد اعتادت بعض القوى الأوروبية توظيف هذا النزاع ورقةً للضغط على الرباط، والإبقاء عليه دون حسم نهائي حتى تتمكن من مساومة المغرب في ملفات الاقتصاد والأمن والهجرة والصيد البحري.
وجاء الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه ليقلص مساحة المناورة التي كانت تستفيد منها بعض العواصم الأوروبية. كما فتحت الشراكة المغربية الأمريكية الباب أمام مشاريع أمنية واقتصادية وعسكرية في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ومنحت الرباط خيارات جديدة خارج الدائرة الأوروبية التقليدية.
ويضيف التقارب المغربي الإسرائيلي عنصرًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فالأمر لا يقتصر على فتح سفارتين أو تبادل السفراء، بل يتعلق بتعاون يشمل الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا والاستثمار، إلى جانب توسيع قدرة المغرب على الوصول إلى دوائر القرار والتأثير داخل المؤسسات الدولية.
ومن شأن هذا التقارب أن يرفع قدرة المملكة على الدفاع عن مصالحها، خصوصًا في ملفات الصحراء وسبتة ومليلية. ولذلك لا يرتبط القلق الأوروبي بالعلاقات الدبلوماسية في حد ذاتها، بل بما قد ينتج عنها من محور مغربي أمريكي إسرائيلي قادر على تقليص النفوذ الأوروبي في المنطقة.
وتبدو إسبانيا من أكثر الأطراف شعورًا بهذا القلق، بسبب ارتباطها المباشر بملف سبتة ومليلية وتراكم الخلافات بينها وبين المغرب. فكلما وسعت الرباط شبكة حلفائها الدوليين، أصبحت مدريد أقل قدرة على إدارة الملفات الثنائية من موقع الطرف الأقوى.
وتدرك إسبانيا أن أي توتر كبير مع المغرب لن يبقى محصورًا في العلاقات الثنائية، بل سيتداخل مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وهذا التحول يفرض عليها إعادة النظر في أسلوب التعامل مع الرباط، لأن موازين القوى التي حكمت العلاقات بين البلدين لعقود بدأت تتغير تدريجيًا.
وفي الوقت نفسه، تواصل بعض المنابر الإعلامية الغربية تركيز هجومها على المؤسسة الملكية، متجاهلة المكانة التي تحتلها في البناء السياسي والاجتماعي للمملكة. فالملكية ليست مجرد طرف في المشهد، بل مؤسسة تحظى بإجماع واسع بين المغاربة، وتشكل الضامن لوحدة البلاد وأمنها واستقرارها واستمرارية الدولة.
ويكشف هذا الاستهداف محاولة لضرب أحد أهم عناصر قوة المغرب وتماسكه الداخلي. فحين تعجز بعض الجهات عن مواجهة الخيارات الاستراتيجية للمملكة أو إيقاف توسع تحالفاتها، تنتقل إلى مهاجمة المؤسسة التي تمثل رمز وحدة المغاربة والضامن لاستقرار الدولة.
وهنا يُطرح سؤال واضح: لماذا لا تتعامل هذه المنابر والدوائر الأوروبية مع رئيس الحكومة المغربية كما تتعامل مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز؟ ولماذا تنسب كل قرارات الدولة المغربية إلى الملك مباشرة، بينما تُنسب القرارات الإسبانية إلى سانشيز وحكومته ومؤسسات بلاده؟
هذا التناقض يكشف ازدواجية في التعامل مع المغرب، ويعيد إنتاج نظرة استعلائية إلى دول الجنوب، وكأنها لا تتوفر على مؤسسات دستورية أو حياة سياسية، ولا يمكن تفسير قراراتها إلا من خلال استهداف رأس الدولة. وفي المقابل، تحرص هذه المنابر عند تناول إسبانيا وباقي الدول الأوروبية على التمييز بين الملكية والحكومة والبرلمان وبقية المؤسسات.
أما على المستوى العربي، فقد أدى رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى إطلاق موجة جديدة من الانتقادات الموجهة إلى الرباط، رغم أن دولًا عربية وإقليمية أخرى تقيم علاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية واسعة مع إسرائيل.
ولا يمكن تحميل المغرب مسؤولية استمرار معاناة الفلسطينيين أو اختزال صراع يمتد منذ عقود في قرار فتح سفارة أو تبادل السفراء. فالقضية الفلسطينية سبقت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية بسنوات طويلة، كما أن القوى الغربية التي توفر لإسرائيل الدعم السياسي والعسكري لا تواجه عربيًا القدر نفسه من الانتقادات.
ويظل التضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة موقفًا ثابتًا، لكنه لا يتعارض مع حق المغرب في بناء تحالفاته وفق مصالحه الوطنية وحماية وحدته الترابية ومواجهة التحديات الإقليمية.
لقد وجد المغرب نفسه خلال أزماته مع إسبانيا وبعض المؤسسات الأوروبية أمام غياب دعم عربي وإفريقي وإسلامي مؤثر. لذلك أصبح من الطبيعي أن يبحث عن شركاء قادرين فعليًا على مساندته داخل مراكز صناعة القرار الدولية، بدل الاكتفاء بشعارات التضامن التي لا تتحول إلى مواقف عملية.
ولا يمثل الانفتاح المغربي على واشنطن وتل أبيب تحركًا دبلوماسيًا عابرًا، بل خطوة لإعادة تشكيل موقع المملكة داخل النظام الدولي. وهو تحول يثير مخاوف قوى أوروبية اعتادت النظر إلى المغرب باعتباره شريكًا تابعًا لمجالها السياسي والاقتصادي، قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى موقع الدولة التي تنوع تحالفاتها، وتفرض شروطها، وتبحث عن استقلال أكبر في قرارها الاستراتيجي.







