إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

توقيف برنامج «دين ودنيا» شهرا بسبب إخلالات خلال الفترة الانتخابية

11:57 · 20/09/2026

كوثر بوجوال

قرر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري توقيف برنامج «دين ودنيا» على إذاعة «شذى إف إم» لمدة شهر، بسبب إخلالات رصدها خلال الحلقة التي بثت في 18 شتنبر 2026. وربط المجلس قراره بتصريحات صدرت عن الضيف الدائم للبرنامج، قدمته الإذاعة بصفته «شيخا داعية»، وبطريقة تعامل منشطة البرنامج مع المضمون المبثوث.

وجدد المجلس، في القرار، تأكيده مبدأ حرية الاتصال السمعي البصري وحق المتدخلين في التعبير بحرية عن آرائهم ومواقفهم. غير أنه اعتبر أن ممارسة هذا الحق داخل البرامج الدينية تظل مرتبطة بالتزامات مهنية وقانونية، من بينها التحفظ والموضوعية والحياد، خصوصا خلال الفترات الانتخابية التي تتطلب حماية إرادة الناخبين.

توقيف برنامج دين ودنيا لمدة شهر

خلص المجلس الأعلى إلى أن تصريحات الضيف الدائم شكلت إخلالا بواجب التحفظ المرتبط بالطابع الديني للبرنامج وصفة المتدخل. وسجل، بصورة خاصة، توظيف الممارسة العلنية للشعائر الدينية والمكانة الرمزية للضيف بغرض التأثير على الإرادة الانتخابية، وهو ما اعتبره غير منسجم مع الضوابط المفروضة على خدمات الاتصال السمعي البصري.

ويكتسي هذا التقييم أهمية بالنظر إلى التأثير الذي يمكن أن تمارسه الصفة الدينية داخل النقاش العام. فظهور متدخل بصفته «شيخا داعية» يمنح أقواله وزنا رمزيا لدى فئات من المستمعين، ما يفرض، وفق منطق القرار، التمييز بين إبداء الرأي الشخصي وبين استخدام المكانة الدينية لتوجيه اختيارات مرتبطة بالتصويت.

ولم يتضمن القرار، وفق المعطيات المنشورة، اسما للضيف أو نقلا حرفيا موسعا لجميع التصريحات محل المؤاخذة. ولذلك تظل الوقائع المؤكدة محصورة في توصيف المجلس للمضمون، واعتباره متضمنا إخلالا بالتحفظ والحياد ومحاولة للتأثير في الإرادة الانتخابية خلال حلقة 18 شتنبر.

مسؤولية المنشطة في التحكم في البث

لم يقتصر تقييم المجلس على تصريحات الضيف، بل سجل أيضا عدم تدخل منشطة البرنامج بالشكل الذي يضمن التحكم في البث. ويعد هذا الالتزام جزءا من دفتر تحملات الإذاعة، لأن المنشط أو الصحافي لا يؤدي دورا تقنيا فقط، بل يتحمل مسؤولية إدارة الحوار والتدخل عند صدور مضامين مخالفة للضوابط.

اقرأ أيضاً: تخفيض التعريفات الجمركية بين الصين وأمريكا يسبق قمة شي وترامب

ويفترض التحكم في البث تنبيه المتدخل، وطلب التوضيح، وتصحيح المعطيات عند الضرورة، ومنع تحول البرنامج إلى منصة لبث خطاب يتعارض مع التزامات الخدمة الإذاعية. كما يقتضي الحفاظ على توازن النقاش وعدم ترك الصفة الرمزية للضيف تمنع مساءلته أو ضبط تصريحاته وفق القواعد المهنية.

اقرأ أيضاً: تحطم مروحية تلفزيونية في لوس أنجلوس يقتل 3 أشخاص خلال تغطية حادث سير دام

وتتزايد هذه المسؤولية في البرامج المباشرة أو التي تناقش قضايا حساسة، لأن المضمون يصل إلى الجمهور فور بثه ويصعب تدارك أثره لاحقا. لذلك ينظر دفتر التحملات إلى التحكم في البث باعتباره ضمانة لحماية المستمعين وصورة الإذاعة، وليس تدخلا في حرية الضيوف أو مصادرة لمواقفهم.

الحياد الانتخابي والتماسك الاجتماعي

اعتبر المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن المضمون الذي بثه البرنامج لم ينسجم مع متطلبات الموضوعية والحياد. وتكتسي هذه المبادئ أهمية مضاعفة في الفترة الانتخابية، حيث يفترض في الخدمات الإذاعية تجنب التأثير غير المتوازن على الناخبين، وضمان عدم توظيف البرامج أو الصفات الدينية لخدمة اختيارات سياسية محددة.

كما سجل المجلس أن بعض التصريحات تضمنت تمييزا سلبيا بين فئات من المجتمع. ورأى أن هذا النوع من المضامين يتعارض مع التزام متعهدي الاتصال السمعي البصري بالمساهمة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، وهو التزام يشمل تفادي الخطابات التي تصنف المواطنين أو تنتقص منهم على أساس مواقفهم أو انتماءاتهم.

ولا يعني اشتراط الحياد منع النقاش السياسي أو الديني، بل يهدف إلى ضمان تقديمه ضمن قواعد واضحة تحترم تعدد الآراء وكرامة الأشخاص. كما يسمح للبرامج باستضافة مواقف مختلفة، شريطة ألا تتحول إلى وسيلة للضغط الرمزي على الجمهور أو إلى مصدر لخطاب تمييزي يهدد الانسجام المجتمعي.

خمس عقوبات سابقة طالت البرنامج

أخذ المجلس في الاعتبار حالات الإخلال السابقة المسجلة ضمن برنامج «دين ودنيا». فقد سبق له إصدار خمس عقوبات مرتبطة بالبرنامج نفسه، سواء بناء على إحالة ذاتية من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أو إثر شكايات توصلت بها بشأن مضامين بثتها حلقاته.

ويشير استحضار السوابق إلى أن قرار التوقيف لمدة شهر لم يبن فقط على تقييم الحلقة الأخيرة بمعزل عن تاريخ البرنامج، بل راعى تكرار الإخلالات. فعندما تسجل الهيئة التنظيمية مخالفات متوالية في البرنامج نفسه، يصبح مستوى الجزاء مرتبطا أيضا بمدى استجابة الإذاعة للقرارات السابقة وقدرتها على منع تكرارها.

كما تضع العقوبات السابقة الإذاعة أمام مسؤولية مراجعة آليات إعداد البرنامج واختيار ضيوفه وتدبير حلقاته. فالمطلوب لا يقتصر على وقف البث خلال مدة العقوبة، وإنما يشمل معالجة الأسباب التي أدت إلى الإخلال، وتدريب الطاقم على ضبط النقاش، والتأكد من استيعاب المتدخلين للقواعد المهنية والقانونية.

حرية التعبير داخل إطار مهني

حرص المجلس على الجمع بين تأكيد حرية الاتصال وفرض التزامات الحياد والتحفظ، بما يعكس التوازن المطلوب في تنظيم الإعلام السمعي البصري. فالحرية تتيح مناقشة القضايا الدينية والاجتماعية والسياسية، لكنها لا تعفي الإذاعة من مسؤوليتها التحريرية، ولا تلغي القواعد التي تحمي الجمهور خلال الانتخابات.

ويختلف ضبط المحتوى الإذاعي عن مراقبة الآراء الشخصية خارج وسائل الإعلام المنظمة، لأن الإذاعات تستعمل ترددات وخدمات موجهة إلى جمهور واسع وتعمل وفق دفاتر تحملات. ولذلك تخضع برامجها لمعايير تتعلق بالمصداقية والتعددية وعدم التمييز والتحكم في البث، إلى جانب احترام الحقوق والحريات الأساسية.

في المحصلة، جاء توقيف برنامج «دين ودنيا» لمدة شهر نتيجة تقييم شمل تصريحات الضيف وطريقة إدارة الحلقة وتكرار الإخلالات السابقة. ويبعث القرار برسالة واضحة إلى البرامج الإذاعية بشأن ضرورة الفصل بين الخطاب الديني والتأثير الانتخابي، وتحمل المنشطين مسؤولية ضبط البث وحماية الحياد والتماسك الاجتماعي بصورة كاملة ودائمة.