هجر إمغري
عاد ملف الدعم الفلاحي إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، بعدما دافع أحمد البواري، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، عن السياسات العمومية الموجهة إلى الفلاحين والكسابين، مؤكدا أن التعامل مع القطاع لا ينبغي أن يرتبط بالمواعيد الانتخابية، وإنما باعتباره ورشا وطنيا يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي واستقرار العالم القروي.
وأوضح البواري، خلال تجمع جماهيري احتضنته مدينة تطوان بحضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش وعدد من قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار، أن الفلاحة لا يمكن اختزالها في ورقة انتخابية تظهر كل خمس سنوات، مشددا على أن الدعم الموجه إلى العاملين في القطاع يستهدف بالدرجة الأولى الحفاظ على الإنتاج وضمان استمرار النشاط الفلاحي في مختلف مناطق المملكة.
وأكد القيادي التجمعي أن مسألة دعم الفلاحين لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع للمزايدات السياسية، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي عاشها القطاع خلال السنوات الماضية. فقد أدى توالي سنوات الجفاف إلى زيادة الضغوط على الفلاحين والكسابين، وفرض تحديات مرتبطة بالماء والموارد الطبيعية وتكاليف الإنتاج وقدرة الأسر القروية على الحفاظ على مصادر دخلها.
إقرأ إيضا:الاقتصاد-المغربي-يحقق-قفزة-جديدة-بدعم
وفي هذا السياق، شدد البواري على أن مساعدة الفلاحين والكسابين تندرج ضمن مسؤولية الدولة تجاه فئة واسعة تساهم في تأمين المواد الغذائية للسوق الوطنية، معتبرا أن استمرار النشاط الفلاحي لا يخدم العاملين في القطاع وحدهم، بل يرتبط أيضا بمصالح الأسر المغربية وباستقرار منظومة التموين والأسعار.
وأبرز المتحدث أن أكثر من مليون و400 ألف فلاح وكساب واصلوا نشاطهم رغم الظروف المناخية القاسية التي طبعت السنوات الأخيرة، معتبرا أن استمرارهم في الإنتاج يعكس حجم التحديات التي واجهها العالم القروي، كما يبرز الدور الذي يؤديه القطاع الفلاحي في الحفاظ على دورة اقتصادية واسعة تشمل الإنتاج والتوزيع والتسويق والنقل والخدمات المرتبطة بها.
وبالتوازي مع ذلك، تطرق البواري إلى الجدل المتعلق بتصدير المنتجات الفلاحية، مؤكدا أن التصدير، وفق عرضه، لا ينبغي النظر إليه باعتباره منافسا للسوق الوطنية، بل كجزء من المنظومة الاقتصادية التي تساهم في خلق فرص الشغل واستقطاب الاستثمارات وتعزيز النشاط الاقتصادي في المناطق القروية.
وأشار إلى أن المنتجات الفلاحية المغربية أصبحت مرتبطة بسلاسل إنتاج وتسويق تتجاوز السوق المحلية، وهو ما يجعل مسألة التصدير جزءا من الدورة الاقتصادية للقطاع. وفي المقابل، يبقى ضمان تموين السوق الوطنية واستقرارها من بين الملفات التي تحظى بأهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالاستهلاك اليومي للمغاربة.
وانتقل البواري إلى استعراض عدد من المشاريع التي عرفتها جهة طنجة تطوان الحسيمة، مبرزا أن تطوير البنية التحتية الفلاحية يمثل مدخلا أساسيا لتحسين ظروف العمل والإنتاج بالنسبة إلى سكان العالم القروي. ولفت إلى إنجاز وتهيئة أكثر من 2350 كيلومترا من المسالك الطرقية القروية، وهي مشاريع تهدف إلى تسهيل حركة الأشخاص والمنتجات وتقليص العزلة التي عانت منها مجموعة من المناطق الفلاحية.
كما تحدث عن توسيع المساحات المسقية بأكثر من 32 ألف هكتار، في خطوة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع يواجه تحديات مرتبطة بندرة المياه وتوالي سنوات الجفاف. ويشكل توسيع شبكات الري وتطوير طرق تدبير الموارد المائية أحد العناصر الأساسية للحفاظ على الإنتاج الزراعي، خصوصا بالنسبة إلى المناطق التي تعتمد بشكل كبير على النشاط الفلاحي كمصدر للدخل.
وأضاف أن الجهة شهدت كذلك غرس أكثر من 53 ألف هكتار بالأشجار المثمرة، إلى جانب إحداث 33 وحدة لتثمين المنتجات المجالية، وهي مشاريع يمكن أن تساهم في رفع القيمة الاقتصادية للمنتجات المحلية وتحسين موقع الفلاح داخل سلسلة الإنتاج والتسويق، بدلا من اقتصار دوره على إنتاج المواد الأولية.
وفي السياق نفسه، أشار المسؤول الحكومي إلى جاهزية القطب الفلاحي باللوكوس لدخول مرحلة العمل، بينما تتواصل الأشغال بالقطب الغذائي بمدينة تطوان، بالتوازي مع تحديث أسواق الماشية وإعادة هيكلة المجازر. وتعكس هذه المشاريع، بحسب المعطيات التي قدمها، توجها نحو تطوير البنية التحتية المرتبطة بالإنتاج الحيواني والغذائي، وربطها بشكل أكبر بالحاجيات الاقتصادية والاجتماعية للجهة.
وكشف البواري أن حجم الاستثمارات الموجهة إلى جهة طنجة تطوان الحسيمة بلغ نحو مليار درهم، فيما ساهمت هذه الاستثمارات في ضخ أكثر من 2.5 مليار درهم داخل الاقتصاد الجهوي، مع انعكاسات يقول المسؤول إنها شملت تحسين مداخيل وظروف عيش أكثر من 700 ألف مواطن بالعالم القروي، معظمهم من صغار الفلاحين.
ومن جهة أخرى، استهل البواري مداخلته بالتعبير عن ارتياحه لقرار العودة إلى التوقيت العادي وحذف الساعة الإضافية، مشيرا إلى أنه لمس أثر القرار منذ الساعات الأولى لتطبيقه صباح الأحد. وجاء ذلك في سياق حديث أوسع عن الإجراءات الحكومية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، بالتزامن مع النقاش حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ويعيد هذا النقاش القطاع الفلاحي إلى صدارة الملفات المرتبطة بالاقتصاد المغربي، خاصة في ظل استمرار التحديات المناخية وتراجع الموارد المائية والحاجة إلى الحفاظ على الإنتاج الغذائي. كما يطرح في الوقت نفسه أسئلة حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية الفلاحين، وضمان استمرارية الإنتاج، وتطوير سلاسل التثمين والتصدير، والحفاظ على تموين السوق الوطنية.
وبذلك، يظهر أن الرهان على الفلاحة لم يعد مرتبطا فقط بحجم الإنتاج أو عدد المشاريع المنجزة، بل يمتد إلى قدرة القطاع على الصمود أمام التحولات المناخية والاقتصادية، وعلى توفير دخل مستقر للعالم القروي، وضمان حضور المنتجات المغربية في الأسواق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حاجيات المستهلك المغربي.
ويأتي هذا النقاش في مرحلة تتزايد فيها أهمية العالم القروي داخل المعادلة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة بعدما كشفت سنوات الجفاف المتتالية عن حجم ارتباط الأمن الغذائي بالماء والاستثمار والبنية التحتية وقدرة الفلاحين على مواصلة الإنتاج. لذلك، فإن مستقبل القطاع سيظل مرتبطا بمدى نجاح السياسات العمومية في الاستجابة لهذه التحديات وتحويل الدعم والاستثمار إلى أدوات مستدامة لحماية النشاط الفلاحي وتعزيز قدرته على الصمود.







