هجر إمغري
حذرت منظمة الصحة العالمية من اقتراب القطاع الصحي العالمي من مرحلة أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الحاجة إلى الأطباء والممرضين وباقي العاملين في مجال الرعاية الصحية، مقابل ارتفاع أعمار جزء مهم من هذه الكوادر واقتراب أعداد كبيرة منها من سن التقاعد.
وأبرزت المعطيات الواردة في تقرير دولي حول اتجاهات القوى العاملة الصحية أن العالم قد يواجه نقصا يقدر بنحو 11.1 مليون عامل في القطاع الصحي بحلول سنة 2030، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياجات المتزايدة للسكان وبين قدرة الأنظمة الصحية على توفير الموارد البشرية الضرورية للحفاظ على مستويات الرعاية القائمة.
ويزداد هذا التحدي تعقيدا مع التغيرات الديموغرافية التي تعرفها عدة دول، إذ يتقدم متوسط أعمار السكان بالتزامن مع ارتفاع متوسط أعمار العاملين في القطاع الصحي. وبينما تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الخدمات الطبية لمواكبة شيخوخة السكان وتزايد الأمراض المزمنة، تجد الأنظمة الصحية نفسها أمام احتمال فقدان جزء من كوادرها بسبب التقاعد.
وتشير التقديرات إلى أن ربع الأطباء على مستوى العالم قد يصلون إلى سن التقاعد خلال العقد المقبل، ما يطرح أسئلة متزايدة حول قدرة الدول على تعويض هذه الأطر وضمان استمرار الخدمات الصحية دون انقطاع أو تراجع في جودتها.
وتكشف المعطيات كذلك أن 67 دولة قد تواجه، بحلول عام 2030، نقصا في أعداد العاملين الصحيين الذين تحتاج إليهم للحفاظ على مستويات الرعاية الطبية المتوفرة حاليا. ويعني ذلك أن المشكلة لا ترتبط فقط بتوسيع الخدمات الصحية مستقبلا، وإنما تمتد أيضا إلى المحافظة على القدرات الموجودة حاليا وضمان عدم تراجعها أمام الضغط المتزايد.
إقرأ أيضا:إطلاق-منصة-رقمية-جديدة-لهيئة-الأطباء
ويحتاج الحفاظ على المعدل الحالي للأطر الطبية مقارنة بعدد السكان إلى نحو 832 ألف عامل صحي إضافي، في وقت تتجه فيه الاحتياجات الصحية إلى الارتفاع بفعل النمو السكاني وتغير التركيبة العمرية للمجتمعات واتساع نطاق الأمراض التي تتطلب متابعة طبية مستمرة.
ويضع هذا الوضع الدول أمام تحديات متعددة، تبدأ بتكوين أعداد جديدة من الأطباء والممرضين والأطر المتخصصة، ولا تنتهي عند تحسين ظروف العمل والاحتفاظ بالكفاءات الموجودة داخل الأنظمة الصحية. فاستقطاب أعداد جديدة من العاملين يتطلب وقتا طويلا واستثمارات كبيرة في التعليم والتكوين والتدريب، بينما لا تستطيع العديد من الدول سد الخصاص في وقت قصير.
ويبرز في هذا السياق تحد آخر يتعلق بهجرة الأطر الصحية من الدول التي تعاني أصلا من محدودية الموارد نحو البلدان التي توفر فرصا مهنية أفضل وظروف عمل أكثر جاذبية. وقد يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى تعميق الفوارق بين الأنظمة الصحية، خصوصا عندما تعتمد الدول الغنية على استقدام أطباء وممرضين من بلدان تعاني بدورها من نقص في الكفاءات.
وتحذر المعطيات الدولية من أن الاعتماد المتزايد على استقطاب العاملين الصحيين من الدول الأقل دخلا قد يخلق ضغطا إضافيا على أنظمتها الصحية، إذ يمكن أن تفقد هذه البلدان جزءا من الكفاءات التي استثمرت في تكوينها، في الوقت الذي تواجه فيه أصلا تحديات مرتبطة بتوفير الخدمات الطبية الأساسية لسكانها.
وتظهر الدول مرتفعة الدخل بدورها ضمن الأكثر تعرضا لضغوط التقاعد، رغم امتلاكها موارد مالية وبنية صحية أكثر تطورا. ويرتبط ذلك بارتفاع نسبة كبار السن بين العاملين في مجال الرعاية الصحية، حيث تشير التقديرات إلى أن طبيبا واحدا من كل ثلاثة أطباء في هذه الدول قد يتقاعد خلال السنوات العشر المقبلة.
ويجعل هذا الواقع مسألة تجديد الأجيال داخل المهن الصحية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة الطبية، خصوصا أن تكوين طبيب أو متخصص صحي يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة والتدريب قبل الوصول إلى مرحلة الممارسة المهنية الكاملة.
وتفرض هذه التحولات على الحكومات إعادة التفكير في سياسات الموارد البشرية الصحية، من خلال رفع القدرة على تكوين الأطر الجديدة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير مسارات مهنية قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب وضع خطط بعيدة المدى لتعويض العاملين الذين سيغادرون المهنة بسبب التقاعد.
كما تبرز الحاجة إلى تحقيق توزيع أكثر توازنا للعاملين الصحيين بين المدن والمناطق النائية، إذ لا يرتبط الخصاص دائما بالعدد الإجمالي للكوادر، وإنما بطريقة توزيعها أيضا. فقد تتوفر بعض المناطق على أعداد مهمة من المتخصصين، بينما تعاني مناطق أخرى من نقص واضح في الأطباء والممرضين والخدمات الطبية الأساسية.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل ارتفاع الطلب على الرعاية الصحية، حيث يحتاج كبار السن بصورة خاصة إلى خدمات طبية أكثر انتظاما، بينما تتطلب الأمراض المزمنة متابعة طويلة الأمد وتخصصات متعددة. ومن شأن استمرار النقص في الموارد البشرية أن يزيد الضغط على العاملين الموجودين أصلا داخل المؤسسات الصحية.
وقد ينعكس هذا الضغط على مدة الانتظار للحصول على المواعيد والفحوصات، وعلى قدرة المؤسسات الصحية على استقبال أعداد أكبر من المرضى، كما يمكن أن يزيد من أعباء العاملين ويؤثر في قدرتهم على تقديم الخدمات في ظروف مهنية مستقرة.
ويعيد هذا الوضع ملف القوى العاملة الصحية إلى واجهة النقاش حول مستقبل الأنظمة الطبية، بعدما أصبح واضحا أن تطوير المستشفيات والمراكز الصحية وتجهيزها بالتقنيات الحديثة لا يكفي وحده لضمان تقديم خدمات فعالة، ما لم يترافق ذلك مع توفير العدد الكافي من الموارد البشرية المؤهلة.
وتحتاج مواجهة النقص المتوقع إلى سياسات متكاملة تجمع بين التكوين والاستقطاب والاحتفاظ بالكفاءات، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي ووضع آليات أكثر توازنا لتنقل العاملين الصحيين بين الدول، بما يراعي احتياجات البلدان المصدرة والمستقبلة لهذه الكفاءات.
وفي الوقت نفسه، يفتح التحول الديموغرافي الباب أمام إعادة تنظيم سوق العمل الصحي، عبر الاستفادة من التكنولوجيا والرقمنة وتطوير أساليب جديدة لتقديم الرعاية، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن العنصر البشري الذي يظل محوريا في التشخيص والعلاج والرعاية والمتابعة.
وتضع هذه المعطيات الحكومات أمام سباق مع الزمن، لأن معالجة النقص المتوقع لا يمكن أن تبدأ عند وصول أعداد كبيرة من العاملين إلى سن التقاعد. فالتكوين يحتاج إلى سنوات، والسياسات الصحية تحتاج إلى تخطيط طويل الأمد، بينما تتطور الاحتياجات السكانية بوتيرة متسارعة.
وبذلك، لا تبدو أزمة نقص القوى العاملة الصحية مجرد مشكلة مرتبطة بعدد الأطباء أو الممرضين، وإنما تحديا هيكليا يمس قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة لاحتياجات المجتمعات خلال السنوات المقبلة. وكلما تأخر الاستثمار في تكوين الكفاءات وتجديد الأطر وتحسين ظروف العمل، ازدادت صعوبة سد الفجوة التي يتوقع أن تتسع بحلول عام 2030.







