ياسر الرقاص
يدخل قطاع الطيران المدني الإيراني مرحلة العزلة الدولية الأكثر قسوة في تاريخه، عقب إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن مهلة تنتهي في 23 سبتمبر الجاري، تجبر بموجبها جميع شركات الطيران الإيرانية على إيقاف عملياتها التشغيلية عبر العالم.
ويشكل هذا الإجراء تحولا فارقا في نمط العقوبات؛ إذ لا يكتفي بمنع الناقلات الإيرانية من دخول الأجواء الأمريكية، بل يتعداه إلى فرض شلل تام على خطوطها الممتدة في مختلف القارات عبر تفعيل آلية العقوبات الثانوية المباشرة.
وتستند استراتيجية الخزانة الأمريكية في هذا القرار إلى تجريد أسطول الطيران الإيراني من مقومات الحركة الميدانية في المطارات الدولية، من خلال تجريم أي طرف يقدم خدمات الدعم اللوجستي لهذه الناقلات.
وتشمل هذه القيود منع تزويد الطائرات بالوقود، وحظر خدمات المساعدة الأرضية والتصليح، ووقف التعاملات المالية الخاصة بحجز التذاكر والتأمين الجوي، هذا الضغط القانوني يضع المطارات العالمية وشركات الخدمات الجوية في مختلف العواصم أمام مفاضلة حاسمة بين الالتزام بالتعليمات الأمريكية أو المخاطرة بفقدان التواجد في الأسواق المالية والعالمية.
ويأتي هذا التصعيد الأمريكي ليتمم حلقة التضييق التي بدأها الحلفاء الغربيون؛ حيث سبق لترويكا الدول الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) أن ألغت اتفاقيات الخدمات الجوية الثنائية مع طهران، على خلفية اتهامها بنقل أسلحة وصواريخ باليستية.
وتأتي هذه التطورات لتجهز على ما تبقى من أسطول تجاري إيراني يعاني أصلا من التقادم البنيوي ونقص قطع الغيار الأساسية الموردة من شركتي “بوينغ” و”أيرباص”، مما ينقل أزمة الملاحة الإيرانية من مجرد صعوبات في التحديث والتطوير إلى شلل كامل في الحركة والربط الدولي.
ويمتد تأثير هذا الحظر الشامل ليتجاوز أبعاده السياسية نحو ضرب شريان التنقل الحيوي للجاليات والمواطنين الإيرانيين في الخارج، الذين سيجدون أنفسهم مجبورين على الاعتماد الكامل على محطات الترانزيت الإقليمية وشركات الطيران الأجنبية للوصول إلى بلادهم. وبذلك تفقد طهران إحدى آخر أدوات حضورها المباشر في حركة التجارة والدبلوماسية الدولية، محصورة داخل شبكة طيران محلية تعاني من التآكل وتستنزفها الضغوط الاقتصاديّة الممتدة.







