إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

باريس ترد “عسكريا وبسرية” على حرب الظل الروسية

19:00 · 21/09/2026

ياسر الرقاص


في تحول جذري يعكس انتقال قواعد الاشتباك بين الغرب وموسكو إلى مستويات غير مسبوقة، تخلت العاصمة الفرنسية باريس عن مقاربتها الدفاعية الكلاسيكية، لتبدأ في توجيه ضربات عسكرية “تقليدية ولكن سرية” ردا على سلسلة من الهجمات الهجينة التي استهدفت عمقها الاستراتيجي. 

هذا التحرك، الذي كشفت عن ملامحه تسريبات أمنية أوردتها صحيفة “لوموند”، يؤكد أن قصر الإليزيه اتخذ قرارا سياديا بمواجهة روسيا بأسلحتها الخفية، والانتقال من مربع التنديد الدبلوماسي إلى مرحلة “الردع الميداني الصامت”، دون الكشف عن مسرح هذه العمليات العسكرية المضادة لتجنب انزلاق القارة نحو حرب مفتوحة.

ولم يأتِ هذا التغيير في العقيدة الأمنية الفرنسية من فراغ؛ بل جاء تتويجا لحالة من القلق المتصاعد إزاء تزايد الحوادث “المشبوهة” التي ضربت البنية التحتية الحيوية للبلاد مؤخرا. 

فقد سجلت الأجهزة الأمنية الفرنسية اختراقات مقلقة، تمثلت أبرزها في اندلاع حرائق غامضة بالقرب من منشآت حساسة لإنتاج المتفجرات، فضلاً عن حوادث انحراف قطارات عن مسارها، وهي عمليات وصفت بأنها “بصمات واضحة” لأجهزة الاستخبارات الروسية. 

وأمام هذا التهديد المباشر الذي يمس الشريان الحيوي للدولة، سارع الرئيس إيمانويل ماكرون إلى وضع قادة الطيف السياسيين أمام خطورة المشهد، موجها بتفعيل خطة وطنية شاملة لتأمين المنشآت الحساسة وتحصين الجبهة الداخلية من اختراقات مشابهة.

وتعكس هذه المعضلة الفرنسية أزمة أعمق تعيشها العواصم الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل عام في التعاطي مع ما يُعرف بـ “حرب المنطقة الرمادية”. 

فالتجارب الأخيرة أثبتت أن حزم العقوبات الاقتصادية المتتالية، وحملات طرد الدبلوماسيين الروس من العواصم الأوروبية، استُنزفت تماماً وفقدت قدرتها الرادعة أمام الكرملين. 

وتتقاطع المخاوف الفرنسية مع تقارير استخباراتية ألمانية وبريطانية وبولندية صدرت مؤخرا، حذرت جميعها من نشاط متزايد لعملاء روس يهدفون إلى تخريب المصانع العسكرية وإرباك الإمدادات اللوجستية الموجهة لدعم أوكرانيا، مما يجعل التحرك الفرنسي السري جزءا من حاجة أوروبية ملحة لابتكار أدوات ردع جديدة.

وتبقى طبيعة “الوسائل العسكرية التقليدية” التي تستخدمها باريس حاليا محاطة بسرية تامة؛ فلا يعرف ما إذا كانت هذه الردود تتركز في التضييق المباشر على التواجد العسكري الروسي في مسارح عمليات خارجية كالقارة الإفريقية ومنطقة الساحل، أم تتضمن توجيه ضربات سيبرانية وعمليات نوعية غير معلنة تستهدف الأذرع الاستخباراتية لموسكو. 

وفي كل الأحوال، تؤسس هذه المرحلة لواقع جيوسياسي جديد، حيث تخاض الحروب وتحسم في الظل، بعيدا عن الكاميرات، وفي صمت عسكري ينذر بأن أي خطأ في الحسابات قد يشعل شرارة لا يمكن السيطرة عليها.